العدد 4290
الإثنين 13 يوليو 2020
رعايا إيران من العرب الشيعة وأحاديث مع الوزير (2 - 3)
الإثنين 13 يوليو 2020

من خلال مشاركتي في مؤتمر العمل الدولي في جنيف في صيف عام 1996، التقيت لأول مرة بالسيد حسين كمالي وزير العمل والشؤون الاجتماعية بجمهورية إيران الإسلامية، لتناول القهوة في كافتيريا مبنى “باليز دي ناسيونز” أو “قصر الأمم”، في جنيف، وهو المبنى الذي يضم المقر الأوروبي لمنظمة الأمم المتحدة، والذي ينعقد فيه مؤتمر العمل الدولي في كل عام.

وقتها لم تكن العلاقات بين إيران من جهة والبحرين وباقي دول الخليج العربية من الجهة الأخرى قد وصلت إلى هذا المستوى من السوء والتردي والقطيعة الذي تشهده اليوم، بل ربما العكس يكاد أن يكون صحيحًا، ففي منتصف ذلك العام (1996) كانت دورة رئاسة الرئيس علي أكبر هاشمي رافسنجاني الثانية تقترب من نهايتها في العام التالي، وعندما تولى رافسنجاني رئاسة الجمهورية في العام 1989 كانت وتيرة مشروع تصدير الثورة الإيرانية إلى دول المنطقة قد بدأت تفقد شيئًا من لهيبها، والكثير من قوة دفعها بعد وفاة الإمام الخميني في ذلك العام، وقد عُرف عن رافسنجاني، تاجر الفستق، براغمانيته وميوله للانفتاح والاعتدال مقارنة بمن سبقوه، كما إنه تولى الرئاسة فور أن وضعت الحرب مع العراق أوزارها، وانشغلت إيران في التفرغ لبناء ما خلفته الحرب من دمار، ومحاولة إصلاح أوضاعها الداخلية والاقتصادية، واستعادة القدرات التي استنزفتها الحرب التي دامت 8 سنوات، فاتجهت إلى تخفيف زخم المواجهات الخارجية التي لم تعد تستطيع أن تتحمل أعباءها، كما بدأ رافسنجاني في محاولات فك عزلة إيران وقطيعتها مع دول المنطقة وترميم علاقاتها مع الجيران وإعادتها إلى المسار الطبيعي.

وقد شجعت الدول العربية الخليجية توجهات رافسنجاني وتجاوبت مع مساعيه، وبذلك تمكن من تكوين شبكة من العلاقات الشخصية الطيبة مع عدد من المسؤولين الخليجيين البارزين.

كما كانت دول الخليج متفائلة وتتطلع إلى انتخاب خلفه محمد خاتمي الذي كان أوفر المتنافسين حظا في الفوز في الانتخابات القادمة التي بدأت بالفعل حملاتها الانتخابية في ذلك الوقت، أملاً في تحقيق المزيد من التقارب مما قد يؤدي إلى إقناع الساسة الإيرانيين بالتخلي عن سياساتهم التوسعية في المنطقة؛ في تلك الأجواء لم يكن ثمة حرج أو تخوف أو حساسية من لقاء المسؤولين البحرينيين أو الخليجيين بنظرائهم الإيرانيين.

عندما التقينا على انفراد في الكفتيريا، دار الحوار بيننا بلغة فريدة؛ إذ لم تكن ثمة لغة مشركة تجمعنا، فهو يعرف بعض المفردات الانجليزية والعربية إلى جانب لغته الأم الفارسية، وأنا أعرف بعض المفردات الفارسية وكثير من المفردات الأردية، وهي إحدى لغات الهند القريبة من الفارسية، إلى جانب الانجليزية والعربية بالطبع، فتمكنا من التحدث والتفاهم بوضوح ولكن بصعوبة بالغة، تعرفنا على بعض، وعرفت أن المؤهل الرئيس الذي مكنه من تولي المنصب كان اعتقاله من قبل السافاك في عهد الشاه عندما كان أحد أبرز قادة النقابات العمالية الأيرانية، وبعد الثورة أطلق سراحه، وصار من الجناح المعتدل أو ما سمي لاحقًا بالتيار الإصلاحي، وكان ضمن الحلقة الضيقة المحيطة بالإمام الخميني في حياته، ثم أصبح مقربًا من الرئيس رافسنجاني وداعما وواثقًا من فوز خاتمي في الانتخابات القادمة.

وفي لقائنا الأول فاجأني السيد كمالي بقوله أنه حرص على لقائي على انفراد ليعبر لي عن سعادته عندما علم بأنني شيعي وأتولى هذا المنصب الهام حسب قوله، فقلت له بهدوء قبل أن يكمل ويستطرد بأنني فهمت ما يريد أن يقوله، وقلت إنه يبدو أننا سنحتاج إلى وقت طويل والكثير من أكواب القهوة للحديث عن مثل هذه المواضيع؛ لأنه كما يتضح كان الرجل يحمل بعض الانطباعات الخاطئة، وقلت له إنني أتمنى أن لا أكون قد عينت في هذا المنصب لأنني شيعي فقط، لأن التعيين في المناصب العليا على أسس التوزيع والمحاصصة الطائفية لا يخدم مصلحة الأوطان على المستوى البعيد، كما إنني أتمنى أن نتمكن يومًا ما من وضع الرجل المناسب في المكان المناسب دائمًا بغض النظر عن انتماءاته الدينية أو المذهبية أو العرقية، ونحن لا ندعي الكمال، ومجتمعنا كغيره لا يخلو من العيوب والأخطاء والسلبيات التي نحن قادرون على إصلاحها إذا تركنا وشأننا من دون تدخل الآخرين، وأضفت أننا كغيرنا من دول المنطقة نواجه ونعاني من إرهاصات وتداعيات الاستقطاب الطائفي الحاد الذي ضرب المنطقة منذ العام 1979، والذي جعل هذه القضية أكثر تعقيدًا وإزعاجًا، ثم قلت إنه “على كل حال ولعلمك فإن أول وثاني وزيرين  للعمل والشؤون الاجتماعية في بلادي كانا شيعيين، وأن ثلث أعضاء مجلس الوزراء من الشيعة (في ذلك الوقت لم يكن أحد نواب الرئيس شيعي) وأن نصف أعضاء مجلس الشورى من الشيعة، وإنه حتى عهد قريب كان المسؤول الأول عن الشؤون المالية للدولة شيعي علوي إسمه السيد محمود، وإن من أوائل كبار ضباط الأمن كان العميد علي ميرزا شيعيًا من أصل إيراني نفخر ونعتز به حتى الآن، وكان يعرف برئيس الشرطة، والقائمة طويلة لا مجال ولا داعي لسردها، فما هي المناصب الوزارية والحكومية العليا التي يتقلدها رعايا إيران من الشيعة العرب الذين يقدر عدهم بأكثر من 3.5 مليون في إيران؟”.

كان الوزير حسين كمالي إنسانًا طيبًا لطيفًا هادئ بشوشًا دائم الابتسامة، ذكيًا متمكنا ومتمرسا في شؤون السياسة الإيرانية، وأصبح من أبرز السياسيين الإيرانيين، وظل محتفظا بحقيبة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية حتى العام 2001، ولعب دورًا محسوسًا في محاولات التقريب وترميم العلاقات بين إيران والدول العربية، وقد نمت بيني وبينه علاقات ودية، كما ذكرت أمس،  وتبادلنا اللقاءات والزيارات الرسمية والتي أرجو أن تتاح لنا الفرصة للتطرق إليها بالتفصيل في وقفات قادمة.

التقيت بالسيد كمالي مرة أخرى في جنيف أيضًا، على هامش مؤتمر العمل الدولي الذي عقد في العام 1997 في شهر يونيو كالعادة، ثم التقينا في العام التالي على هامش المؤتمر نفسه والذي صدر عنه في ذلك العام “إعلان المبادئ والحقوق الأساسية في العمل لعام 1998”، في هذا اللقاء وجه لي السيد كمالي دعوة رسمية لزيارة إيران للتباحث في أوجه التعاون بين البلدين في المجالات العمالية وتنمية الموارد البشرية.

لقد ظلت العلاقات بين البحرين وإيران تتأرجح بين الانتعاش والتدهور، وبين الانفراج والتأزم، وتمر بفترات من الفتور ومراحل متتالية من التوتر منذ قيام الثورة الإيرانية ونشوب الحرب العراقية الإيرانية، كما ان حالة التبادل الدبلوماسي بين المنامة وطهران خلال عقدي الثمانينات والتسعينات وما بعدها أخذت تعبر بمطبات عديدة نتيجة للمنعطفات التي شهدتها العلاقات بين البلدين؛ وغالبًا ما كانت كردة فعل على تدخل إيران في الشؤون الداخلية للبحرين، وقد تدنى مستوى هذه العلاقات طيلة الحرب العراقية الإيرانية عندما وقفت البحرين إلى جانب العراق في تلك الحرب.

وللحديث بقية غدًا.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية