العدد 4281
السبت 04 يوليو 2020
“لا تلمسني”
السبت 04 يوليو 2020

جاءت مداخلات ضيوف الحلقة المستديرة الافتراضية السادسة لقمة بيروت انستيوت في أبوظبي التي نُظمت الشهر الماضي بعنوان “الاستقرار بمفهومه الجديد... من يؤلف المستقبل؟” ثرية في مضامينها لدى تشخيص الوضع العالمي شديد الاضطراب على خلفية تداعيات وباء كورونا غير المسبوقة تاريخياً من حيث تسييسها على شتى الأصعدة.

ومن أبرز المداخلات اللافتة في هذا الصدد ما أدلى به مدير متحف الأرميتاج الروسي البروفيسور المستشرق ميخائيل بيوتروفسكي الذي بدا أشبه بالمفكر الذي يفكر خارج صندوق نظام بلاده في ظل تمسك هذا النظام بإرثه الشيوعي السابق تحت قيادته الحالية، حاله في ذلك حال العديد من الكفاءات الفعلية في روسيا وفي العالم المضطرة للعمل من داخل صناديق الأنظمة الشمولية المغلقة فيما أفقها بسعة أفق العالم.

لامس هذا المستشرق المتمكن من العربية والمولع بتراثنا العربي، جوهر الحقيقة حينما استعار عبارة “لا تلمسني” المعبرة عن فوبيا البشرية من التلامس والإصابة بالعدوى في ظل قواعد التباعد الاجتماعي عما يمر به المجتمع الدولي راهناً من انقسام وتباعد فعلي بين أعضائه؛ فكأنما أراد أن يقول لنا: هذا هو حال دول العالم - خصوصا الكبرى - تريد أن تنأى بنفسها متوهمةً القدرة على مجابهة الوباء وحدها مدفوعةً بالنزعة الفردانية فيما بات العالم يعيش في سفينة واحدة وأضحى محشوراً في قرية كونية واحدة لا مناص لسكانها من توحيد جهودهم لصد الخطر المشترك الذي يهدد وجودهم أكثر من أي وقت مضى. بيتروفسكي عوّل على أهمية الثقافة الإنسانية البديلة للخروج من أسر ثقافة الانعزال الحالية وفوبيا “لا تلامسني” ولا تلامس ثقافتي ولا ألامس ثقافتك، وهذه لن تكون إلا بالتخلص من الهوية الضيقة المتعصبة، أو ما يسميها عقدة أن تكون لنا هوية قومية أو دينية واحدة. فمن الجميل – على حد تعبيره - أن تكون لنا هويات متعددة؛ مشدداً على أهمية بناء الجسور بين الحضارات والثقافات المتباينة.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية