العدد 4249
الثلاثاء 02 يونيو 2020
نظرات في الفرد والمجتمع... صاحب الرّأي
الثلاثاء 02 يونيو 2020

يقول الشاعر:

الرأي قبل شجاعة الشجعان **  هو أول وهي المحل الثاني

تتناوب الإنسان ميول وأهواء من الهواجس فيما يفعل وفيما يقول. وإزاء كل تصرّف هاجس يقول: افعل, وآخر يقول لا تفعل. وقد وردت في القرآن الكريم تعويذة خاصة بالوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس.

ولكن الظروف والملابسات التي تحيط بأعمال البشر وأقوالهم ليست بتلك البساطة التي تدل دائما على اتخاذ المواقف الصحيحة. فالغضب والانفعال والقلق والحيرة والتردد مضافة إلى الجهل بالأمور وما هو مكبوت في العقل الباطن كثيرًا ما تحول بين الأفراد والجماعات دون الورود إلى القرار الصواب.

وهنا يأتي دور التوعية والإرشاد والنصح ومسئولية أصحاب الرأي والتجربة للإدلاء بأفكار ومعالجات تنير الطريق لمن ضـّل عن سبيله.

وعادة ما يتصدّر خطباء الجوامع ومنابر الوعظ لمهمة الإرشاد مستندين إلى أحاديث الترغيب والترهيب منذ فجر التاريخ الإسلامي إلى اليوم. وينفعل السامعون فيصلـّون لربهم ويكبـّرون ويدعون ما داموا في أورادهم خاشعين. فإذا انفضـّوا رجع أكثرهم إلى ما كانوا عليه من قبل وكأنهم قد نسوا ما ذكـّروا به. ولا بد للعاقل المفكـّر أن يسأل عن الأسباب.

يبدو لي أن من أهم الأسباب هو أن المستمعين لتلك المواعظ قد ملـّوا من تكرارها من كثرة ما سمعوها لأنهم مقتنعون بها أصلا باعتبارها مواعظ عامة مسلم بها وليست خاصة بحل مشكلة كل فرد منهم والظروف الخاصة التي يعاني منها دون غيره.

فمثلا قد يكون من بينهم من هو بائس فقير, أو قليل الدخل وله ذرية ينفق عليها, فلا يجد طريقا غير خيانة الذمــّة أو الرشوة أو الاختلاس ومثل هذا الشخص لا تفيد فيه المواعظ, وإنما يتطلب ذلك معالجة وضعه الخاص من قبل المجتمع والدولة. ومثل آخر لفرد عانى في طفولته الأمرّين من شظف العيش وقسوة الوالدين أو فقدانهما, ولم يجد في مجتمعه رحمة ولا شفقة بل إعراضا وتجاهلا وفيه من يبيت متخما وجاره جائع.. فتنبت فيه الكراهية وحب الانتقام. وذلك أمر كثير الحدوث. فهو إذن بحاجة إلى علاج نفسي وتربوي وتأهيل للحصول على عمل شريف, ولا تكفيه مجرد الموعظة ثم تركه لحال سبيله وحيدا ضائعا.

والأمثلة في هذا المجال كثيرة وخلاصة الأمر أن النصائح والمواعظ يجب أن تقترن بدراسة أوضاع وظروف المنحرفين في سلوكهم الأخلاقي والمجتمعي والأخذ بيدهم للتخلص من تلك الظروف. والمجتمعات المتقدمة الراقية تفعل ذلك في القليل أو الكثير.

وحتى الإنسان العادي الملتزم لا يخلو من الحاجة لمعرفة الرأي الصائب لاتخاذ القرار فيما هو مشكل ومحيــّر..

وفي خبرة المختصين والمفكرين والمثقفين والأدباء والكتاب مجال واسع لأبداء الاراء المفيدة في معالجة مشاكل المجتمع وهموم الناس, وليتهم يفعلون, فنحن بحاجة ماســّة إلى صاحب الرأي وحلال المشاكل.

وأخيرًا أتمنــّى على الدوائر المسئولة عن الوضع المعيشي وكذلك مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات أن تضع في اعتبارها مع المساعدات المالية والعينية شعارا يقول:

( نساعدك لنعلمك كيف تساعد نفسك بنفسك ) والله لا يضـيع أجر من أحسن عملا.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية