العدد 4247
الأحد 31 مايو 2020
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
الأوقاف وأكياس الحزن والشعير
الأحد 31 مايو 2020

ليس دور الكاتب أن ينام على سرير الصحافة الوفير دون أن تلامس أصابعه الأرصفة. ليس دوره أن يرقص رقصة الفلامنكو مع الوزارات، في حين يجلس يتامى الخبز ينتظرون رغيفا مهربا في آخر ساعة من الحفلة. يقول أديب ألمانيا كافكا: “إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا بخبطة على جمجمتنا، فلماذا نقرأ إذن؟ إننا نحتاج إلى تلك الكتب التي تنزل علينا كالصاعقة، التي تجعلنا نشعر وكأننا طردنا إلى الغابات بعيدًا عن الناس. على الكتاب أن يكون كالفأس التي تحطم البحر المتجمد في داخلنا. يجب علينا فقط قراءة الكتب التي تدمينا، بل وتغرس خناجرها فينا، وإذا كان الكتاب الذي نقرأ لا يوقظنا من غفلتنا، فإذا لماذا نقرأه أساسًا؟”.

انتقدت قبل سنين الأوقاف الجعفرية بسبعين مقالا، فأنا لا أشخصن نقدي. وانتقدت هيئة التأمين الاجتماعي في تشوه جمجمة بعض آرائها وخياراتها في 2018 وانتقدت البطالة وهيئة الكهرباء وغيرهم؛ لإيماني أن الصراحة المتوازنة تخلق وطنا متوازنا، والوسطية أمارسها كمنهج حياة وفلسفة وجودية. لست بحاجة إلى إشارات فلسفية لنيتشه “الإنسان الأعلى”، أو إلى تلميحات فرويدية أو إلى تفكيك بنيوي للبناء النفسي لمعرفة نفسية إدارة الأوقاف الجعفرية لنكتشف خريطة التاريخ التراجيدي لثقوب الوجع. كل ما نحتاجه تفكيك الأوقاف ثم إعادة تركيبها منذ تأسيسها. لسنين طويلة، كانت الأوقاف تمتلك قدرة القفز على المنحدرات، والتحايل دون احتراق أصابعها بحرائق النقد الموزع في الصحافة أو في تقارير ديوان الرقابة المالية، شأنها شأن هيئة التأمين الاجتماعي، مرنة في القفز كفهد إفريقي. ولعل الأوقاف تنحى منحى الأديب الروسي العظيم تشيخوف في رواياته، حيث يختار الطبقات الضعيفة كأبطال في قصصه الإنسانية، في حين الأوقاف تختار الحلقات الأضعف عندما يضيق عليها خناق المساءلة. وهذا ما حدث في طول تاريخها. الغريب في طول تاريخ محاسبة الأوقاف، ولو صحافيا، أن يخرج “أبطالها” بلا محاسبة.

خيرا فعلت وزارة العدل التي قدمت أملا كبيرا بأن لا أحد فوق النقد أو سوط القانون، والمطلوب هو المحاسبة لأي سمكة كبيرة من أسماك الماضي لمعرفة الحقيقة. إن لكل شخص ثمنا، فكي تمسك بالأسماك الصغيرة لا تنس الأسماك الكبيرة في دائرة أثخنت بالجراح لسنين طويلة، ولماذا تبقى هذه الدائرة تنزف إلى حد الإغماء المالي، والكومة المحاسبية، وما قصة النزيف المالي وإن ما أصاب مأتم الهملة ما هو إلا واحد من قصص تحتاج مراجعة. يقول نزار قباني وهو يرثي حبيبته بلقيس:

“بلقيسُ:

إنْ هم فَجَّرُوكِ.. فعندنا

كلُّ الجنائزِ تبتدي في كَرْبَلاءَ..

وتنتهي في كَرْبَلاءْ”.

 

أنا لا أفهم كيف لتجاوزات تحدث في وقف مقدس تلقى عليه القرابين. قديما قيل: عندما تخوض معركة يجب أن تعرف مع من تخوض معركتك، وهنا معركة لؤم التجاوز مع إمام عظيم، مع قنديل بشري مقدس يطل بهامته على رمح استحال وتدا تنام على منتهاه الشمس... قنديل مكسور إلا من الكبرياء مازال يتدلى على بوابة الوجود، يشير بضوئه الذي استحال إلى إصبع مقطوع إلى العدالة تحتذى، فأي عمى دنيوي يحول عن مشاهدة سطوع شمس الحقيقة على الأكياس المأخوذة من خزانة مقدسة؟ أنا أحد الذين مارسوا قبل 15عاما أكثر من عملية جراحية لقلب الأوقاف حيث كانت الشرايين بكتابات كانت تنتهج النزف اليومي على ورق الكتابة. واستطعت بسبعين مقالا تحقيق إنجازات للملف أن نرفع سعر الأراضي، وتسجيل الكثير منها، وتنظيف بعض السجاد الذي كان يخفى تحته غبار الفضائح، لكن مع مرور الأيام، ولأن الأوقاف أشبه بيتيم كـ “اليفرتويست” في رواية تشارلز ديكنز تصبح بلا محاسبة، وعفا الله عما سلف.

الحقيقة أن من يزرع الريح يحصد العواصف. تعلمنا من المشروع الإصلاحي لجلالة الملك حفظه الله أن نراهن على الحرية حتى لو انبرى صحافيون يرفضون الأوكسجين. هذا “الصداع الوقفي” ما زال يقلق السلطة، ويقلق المجتمع، فالسلطة تبحث عن علاج غير “البنادول”، ويقلق الناس بسبب الثقب الأسود الذي هو كثقب الأوزون، لا يوقفه لا كورونا ولا غير كورونا. الأمل في الإدارة الجديدة أن تدفع باتجاه نفض الغبار عن الملفات العالقة، ووضع أسنان المراقبة على كل جديد، وتفتح شهية الصحافة لنبش الأوراق. وهنا يجب ألا نفرق في المحاسبة بين نوعية قماش الأسماء من الحرير أو النايلون؛ لأن العدالة لا تمييز بين الألوان البشرية. كل من رقص في زفة عرس التجاوز يجب أن يحاسب.

وهنا، نطالب الإدارة بعرض شفاف لكل ما حدث قبل استلامها للإدارة، وإجابات شافية لكل ما طرحته تقارير الرقابة المالية، والإجابة عليها، وما هو الجديد في التغيير، وهل كانت المناقصات سليمة، وأسعار مواد المشروعات غير مبالغ فيها، وهل تمت المناقصات بطريقة شفافة وهل هناك محاباة في إيجارات الوقف، وكيف سيتم التعاطي مع مبني الأوقاف الضخم الواقع في منطقة السيف، وكيف يمكن الاستفادة منه؟ وكيفية التعاطي مع أموال المآتم التي أصيب بعضها بمرض الأنيميا الحاد بسبب سوء التصرف؟ سوف نعمد إلى تقارير ديوان الرقابة المالية وتحويلها إلى أسئلة ساخنة كرغيف.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية