العدد 4247
الأحد 31 مايو 2020
صوت العقل
الأحد 31 مايو 2020

مرت علينا عطلة عيد الفطر المبارك ونحن خلف الأبواب نجاور الفزع من كورونا، لم نذهب للبساتين ولا الحدائق الغناء، ولم نلتقِ عن قرب مع أفراد عائلتنا كما هي العادة، بل إننا لم نرحب بالضيوف الطارئين على غير عاداتنا وتقاليدنا، كنا محترزين وما زلنا، وكنا نمارس بروتوكولات أحكام “كوفيد 19”، كما ينبغي أن تكون، لكنني شخصيًا مارست هوايتي المفضلة في التفكير والتفكر، في البحث والتأمل، في الاستكشاف والتقصي، لعل وعسى.

في النهاية اهتديت إلى فكرة قديمة بثوب ناصع النضارة، وارتضيت بما أملاه عليّ اجتهادي المتواضع في اجترار ما كان “يُحكى أن” في مجلس الرئيس، كان خليفة بن سلمان حفظه الله ورعاه يوجهنا كأكاديميين إلى ضرورة نقل المعارف والحِكم من الدول التي سبقتنا في التقدم وإرساء قيم الحضارة الحديثة، وكان سموه يقول لي شخصيًا: لابد من استنساخ الضرورات التي لا تبيح المحظورات وأن تبدأوا كأكاديميين في توطين التكنولوجيا، وتأهيل المواطن البحريني كي يستلهم الدروس والعبر ممن سبقونا في مضامير المعرفة والإبداع المؤهل لخدمة البشرية وإيجاد حلول ناجعة لقضايا الإنسان المعقدة.

وكان سموه يقولها لنا في مجلسه المهيب: كونوا على قدر المسئولية الوطنية، ولا تتأخروا في الذود عن وحدتكم وتماسككم، عن تقاليدكم وتعاليم آبائكم وأجدادكم، تشبثوا بتاريخكم العتيد، وأعيدوا صياغة مستقبلكم بالكيفية التي تمليها عليكم ضمائركم، لا تسمحوا لكائن من كان أن يشق الصف، وأن يعبر الحدود، وأن يطمس الهوية، فأنتم على القدر الكافي من المسئولية، وعلى المسافة الواقية من كافة قضايا العصر، وأنتم جنود الوطن الأوفياء القادرين على نقل المجتمع بأسره من التراجع إلى التقدم، ومن الانكفاء إلى الانفتاح، ومن التشرذم إلى الوحدة.

سمعت هذا الكلام كثيرًا وأعدت ترتيبه في ذهني وأنا أتابع من ثقب الباب الموصد كل أحداث الساعة في العالم، كيف تحاول الدنيا أن تعيش في رحاب كورونا، وكيف ينفتح الكون والجائحة مازالت ترعى بين الناس، ثم كيف يمكن بث إجراءات الوقاية، والتزاحم المتفشي على شدته وجبروته يحاول الانطلاق من القوقعة، ويسعى جاهدًا إلى الانفلات، ثم أجبت: لعلها بروتوكولات ما بعد كورونا، كيف نعيش مع الفيروس، وكيف نصادقه، رغم أنه يرفض هذه الصداقة، كيف نروضه، رغم أنه غير قابل للترويض، وكيف نقي أنفسنا شر أعماله وأفعاله ومفاجآته، وهو شديد القسوة عند البطش والفتك ببني البشر؟

أخيرًا اهتديت إلى ضرورة الاحتكام للعلم، للبحث، للاستعانة بفنون المعارف التي تقي الشرور، وتنأى بالناس عن الجائحة وتداعياتها، عن الوباء ومتلازماته، ثم عن الأثر الجامح وكيفية كبح جماحه، ولجم تهوره.

وبالفعل توصلت إلى ضرورة حتمية جديدة مفادها ذلك الجمع بين مخطوطات الوقاية، وحفريات التفكير عن بعد، الاستعانة بالحصانة العلمية مثلما يجب أن تكون، وبالحصافة الثقافية مثلما تعلمناها من قادتنا منذ الآباء والأجداد، هنا تكمن الخلطة السحرية بين ما كنا نطلق عليه بعض من الأصالة زائدًا بعض من المعاصرة، تساوي وقاية من كل شر بإذن الله.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية