العدد 4246
السبت 30 مايو 2020
“إدمان!”
السبت 30 مايو 2020

متى ستأتي اللحظةُ التي يتوقفونَ فيها عن العمل، أمْ أنها لنْ تأتي؛ فحتى متى وإلى متى تطحنهم دوامةُ العملِ الدؤوب؟ هذه الشريحةُ من البشر لا تعاملُ نفسها كما يجب، ولا تقدِّرُ قيمتها بحق، هُمْ صِنفٌ من الخلق ظنوا أنَّ اللهَ خلقهم ليعملوا حتى الموت؛ فتراهُم ينخرطونَ في العمل منذُ الصغر ويعملونَ بلا توقفْ، حتى في أيامِ إجازاتِهم وخلالَ الأعيادِ والإجازاتِ السنوية، غير عابئينَ بالحجرِ الصحي أو سِواه، وينسونَ في خِضَّمِ ذلك أُسرَهم وأحبتَهم؛ فيُصبِحونَ ضحايا إهمالهِم وانشغالِهم. حُجتُهم الحاضرة “نحنُ مشغولون”؛ فمتى لا يكونونَ كذلك؟ متى سيعيشونَ لحظاتِ الحياةِ التي لا تتكرر مع المقربينَ منهم؟!

هؤلاء لنْ يستطيعوا إيقافَ الزمنِ حين يُدركون فجأة أن إدمانهم لمْ يُلْحِق الضررَ بهم فحسب، بل لَحِقَ بذويهم كذلك، وأنَّهم تأخَّروا عن الانخراطِ في الحياة، ولنْ يكونَ بمقدورِهم أنْ يمتلكوا قلوبَ ذويهم وأحبتِهم بعد فواتِ الأوان، بعد برودِ المشاعرِ التي جمَّدتها سنواتُ عملِهم العقيم. أغلبُهم لا يجنونَ المالَ من الإدمانِ في العمل، ومع ذلك يُصرّون على الاستمرار... هؤلاء يظنونَ أنَّ القيمةَ كلَها فيما يُنجزون ويستهترونَ بقيمِ الآخرينَ ومواهبهم، ويزعمونَ أنَّهم على صوابٍ ومواهب الآخرينَ واهتماماتهم نوعٌ من الهدرِ والفراغ، فهلَّا نظروا للآخرينَ خارجَ نطاقِ العملِ والكدح واحترموا مواهبَهم واقتفوا آثارَهم وأعطَوا أنفسَهم متنفساً يحيونَ فيه كما يحيا الآخرون؟! لو أنَّهم يأخذونَ قسطاً من الراحة ليُروِّحوا عن أنفسِهم، ليُحسّوا بمتعِ الحياةِ التي حرموا أنفسَهم منها قسراً.

قد يصابُ هؤلاء بالمرضِ إنْ أقعدَهم سببٌ ما عن العمل، وقد يبحثون عن شيءٍ ما ليفعلوه لأنهم لمْ يعتادوا الراحة، وسيجبرونَ من حولهم على المشاركة وإنْ كان ما يفعلونهُ بِلا أهميةٍ أو داع، هؤلاء لا يتوقفونَ عن العملِ حتى عندما يكونونَ مع أُسرِهم على مائدةِ الطعام؛ فنَجدهم يُنهونَ اتصالاتِهم وأعمالهم العالقةَ التي لمْ يتسنَّ لهم إنهاؤها في مقارِ أعمالِهم، ويزعجونَ منْ حولَهم بضجيجِهم، ولا يُعيرونَهم أدنى انتباه، لكأنَّهم وحدَهم على المائدة أو في السيارة، أو أنَّهم (همْ) لا وجودَ لهم في حياةِ من يقولونَ إنهم يعملونَ من أجلِهم!.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية