العدد 4179
الثلاثاء 24 مارس 2020
في زمن الكورونا.. من يدفع أجور العمال الأجانب في القطاع الخاص؟
الثلاثاء 24 مارس 2020

إن ما يمر به العالم الآن بسبب فيروس الكرونا (COVID 19 ) يعد كارثة انسانية و اقتصادية و اجتماعية و صحية لم نراها منذ زمن بعيد، كارثة هزت العالم في كل المجالات، و لم تسلم منها دولة من دول العالم بل أن دول العالم المتحضر و من يسمون أنفسهم بدول العالم الأول، هم من وقفوا  عاجزين عن التصدي لتفشي هذا المرض، لدرجة اعلان حالة الطوارئ و غلق كافة الأنشطة التجارية، و ابقاء الجميع في منازلهم. و في ظل حالة الشلل التي اصابت العالم و توقفت عجلة الحياة. تضررت كل الإنسانية، كل حسب حالته، و لكن الأشد ضرر في هذه الأزمة الصحية العالمية، هم اليد العاملة سواء في القطاع الحكومي، أو القطاع الخاص.

و مملكة البحرين حفظها الله و رعاها؛ بحكمة قيادتها الرشيدة هي من الدول القليلة في العالم التي اتخذت مواقف متوازنة لمعالجة الظروف الطارئة التي حلت بالمملكة بسبب فيروس الكرونا. فحتى هذه اللحظة و بفضل الله مازالت هناك سيطرة على عدم زيادة اعداد المصابين من المرضى و مازالت الدولة تمارس جزء كبير من نشاطها الإقتصادي و الإجتماعي رغم التأثر الشديد بما يحدث حولنا في دول الجوار. ولكن في ظل القرار الذي صدر أمس الأول بشأن غلق المحال التجارية لفترة تبدأ من اليوم الخميس 26 مارس 2020 و حتى 9 أبريل 2020، و هذا القرار و إن كان لمدة محدودة، إلا أنه قابل للتمديد فترات آخرى. مما يعني أن هذه المحال التي تَقرر غلق أبوابها مؤقتاً سوف تكون غير قادرة على الوفاء بإلتزاماتها المالية و أهمها سداد أجور عمالها.

لذا فالسؤال الذي يطرح نفسه من الناحية القانونية  من المسئول قانوناً عن سداد أجور العمال خلال فترة غلق المنشأت التجارية المشمولة بالحظر؟ هل صاحب العمل. أم يستحملها العامل منفرداً، أم سوف تساهم الدولة في رفع هذا العبء الطارئ عن كاهل صاحب العمل و العمال؟

سؤال جدير بالإهتمام والرد عليه من الناحية القانونية. فالدولة و في ظل رؤية قيادتها الحكيمة للتصدي للأزمات الطارئة كانت توجيهات سمو جلالة الملك المفدى حاضرة و سريعة في تخصيص 4.3 مليار دينار دعماً للمواطنين و القطاع الخاص. و منها مشروع بقانون بصفة الإستعجال من أجل دفع رواتب المواطنين البحرينيين بالقطاع الخاص من خلال صندوق التعطل للأشهر (أبريل،مايو و يونية) للعام 2020 وفق الحد الأقصى للرواتب المنصوص عليه في قانون التأمين الإجتماعي، وذلك بقيمة اجمالية تقدر بـ 215 مليون دينار. و بصدور هذا القانون على وجه الاستعجال تكون الدولة قد حلت مشكلة المواطن البحريني في استحقاق أجره كاملاً على نفقة الدولة، و رفعت عن كاهل صاحب العمل البحريني عبء سداد هذه الرواتب كاملة.

و لكن يبقى التساؤل عن أجور العمال الأجانب خلال فترة الغلق، من سيتولى سداد هذه الأجور في ظل فترة لم يقدموا خلالها عمل لصاحب العمل، على اعتبار أن الأجر هو مقابل العمل. أم سوف يتحمل صاحب العمل أجور هؤلاء العمال طوال فترة غلق المنشأة طالت المدة أم قصرت.

و للإجابة عن هذا السؤال، يجب التأكيد ابتداءاً بأن أول المتضررين من قرار الغلق هم العمال باعتبارهم الطرف الأضعف في المجتمع الذي يعيش على مصدر واحد للحياة هو (الأجر) الذي يتقاضاه مقابل عمله، باعتباره المصدر الوحيد للإنفاق منه على نفسه، و على أسرته، و على عائلته، فبدون الأجر فلا حياة كريمة للعامل يستطيع أن يعيشها بدون الأجر.

و إذا كان قرار الغلق قد صدر من الدولة لمواجهة خطر داهم بالبلاد و العباد،وأن لم تتخذ ضده هذه الإجراءات سوف يفتك بالمجتمع بأكمله. و من ثم أصبحت الإجراءات التي اتخذتها الدولة  هي اجراءات احترازية لمجابهة تفشي فيروس كرونا في المجتمع. و هذه  الإجراءات استثنائية ومؤقته،والتي تسمى في القانون بنظرية (الظروف الطارئة). أي الأسباب الخارجة عن ارادة  طرفي العقد في تنفيذه، إما عدم تنفيذه ً كلياً و إما وقفه وقفاً جزئياً لحين زوال السبب المؤدي إلى عدم تنفيذ العقد. و عقد العمل واحد من العقود التي تتأثر بالظروف الطارئة أو الخارجة عن ارادة العامل أو صاحب العمل في تنفيذ العمل. و استحقاق الأجر. فالعامل لا يقدم عمل يستحق عنه أجراً، ولا صاحب العمل يستفيد من العامل فيدفع له الأجر. فكلا الطرفين متضررين من هذه الظروف الطارئة. والمنطق العادل يقول بأنه ليس  واجباً على صاحب العمل أن يدفع  أجراً للعامل و هو لا يؤدي له مقابل ذلك الأجر. و ليس من العدل ايضاً أن يكون العامل جاهزاً لأداء عمله، و لكن ظروف خارجه عن ارادته و عن ارادة صاحب العمل منعته من اداء عمله، و بالتالي  عدم استحقاقه لأجرة الذي منه يعيش هو و اسرته و بدونه لن يكون له دخل يوفي قوت يومه و للإجابة هل هذه الإشكالية القانونية نقرر صورتين :

الصورة الأولى: لو كان عقد العمل قد نص صراحة في أحد بنوده، على أن يتحمل صاحب العمل الوفاء بالأجر في حال توقف العمل في المنشأة لأي سبب حتى لو كانت سبب أجنبي ليس مرجعه صاحب العمل أو لأي ظروف طارئة تحول من تنفيذ العمل. هنا يكون صاحب العمل ملزم قانوناً بالوفاء بكامل الأجر للعامل، حتى ولو ترتب على ذلك توقف العمل في المنشأة فترة طويلة، لكنها لم تؤدي إلى الإغلاق النهائي.

الصورة الثانية: إذا كان عقد العمل لم ينص فيه على بند بصرف أجر العامل عند غلق المنشأة بسبب ظروف طارئة تمنعه من التزامه بأداء العمل المتفق عليه و كان العامل جاهز لأداء عمله، و هي نفس الظروف التي نعيشها الآن، بموجب قرار غلق المحال التجارية ابتداءاً من تاريخ 26 مارس لغاية 9 أبريل 2020 أو ما بعدها لو ظل تمديد القرار.

فإن قانون العمل في القطاع الأهلي رقم (36 لسنة 2012) قد نص صراحة في المادة (43) الفقرة(2) على أنه ( إذا حضر العامل و حالت بينه و بين أداء عمله اسباب قاهرية خارجة عن ارادة صاحب العمل استحق  نصف أجره).

ومفاد هذا النص أنه إذا حال بين العامل و بين اداء عمله اسباب قاهرية خارجة عن ارادة صاحب العمل، فإن العامل يستحق نصف الأجر فقط عن الفترة التي تظل فيها المنشأة مغلقة و حتى زوال سبب الغلق. و حيث أن الدولة تمر بظروف طارئة بسبب مرض (كورونا المستحدث) و أدى ذلك إلى غلق المحال التجارية، فإن ذلك يعد بمثابة اسباب قاهرية منعت من تنفيذ عقد العمل طوال مدة الغلق، و لا يستحق فيها العامل سوى نصف الأجرة فقط.

هذا عن الرأي القانوني لما يستحقه العامل من أجر خلال الظروف الطارئة التي تمر بها البلاد.

نستلهمها من التوجيهات الملكية السامية التي اطلقها سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد والمعلن عنها بتاريخ 18/مارس/2020 لتوحيد الجهود الوطنية لمواجهة الوباء العالمي لفيروس كرونا(COVID-19) لتنفيذها من قبل الحكومة ممثلة في صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس مجلس الوزراء حفظه الله و اطال عمره، و بناء على رؤية صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد النائب الأول لرئيس مجلس الوزارة و من ضمنها احالة مشروع بقانون بصفة الاستعجال من الحكومة إلى البرلمان بشأن تحمل الدولة دفع رواتب المواطنين البحرينيين بالقطاع الخاص من خلال صندوق التعطل للأشهر من ( أبريل،مايو و يونية) للعام 2020، بأن يتضمن مشروع القانون تحمل الدولة نصف الأجر الآخر مع اصحاب العمال في القطاع الخاص للعمال الأجانب المؤمن عليهم لدى الهيئة العامة للتأمين الإجتماعي للأشهر من( أبريل، مايو و يونية) لعام 2020 وفق الحد الأقصى للرواتب المسجلة لدى الهيئة العامة للتأمين الإجتماعي. و بذلك يصل الأجر كاملاً للعامل، نصفه من الدولة و نصفه من صاحب العمل. انطلاقاً من نص المادة(12) من الدستور  التي نصت على أن( تكفل الدولة تضامن المجتمع و تحمل الأعباء الناجمة عن الكوارث و المحن العامة).

حفظ الله الوطن و ملكه و شعبه من كل سوء و مكروه.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية