العدد 4179
الثلاثاء 24 مارس 2020
عمود أكاديمي د. باقر النجار
الخليج وفيروس كورونا: توصيف حالة
الثلاثاء 24 مارس 2020

لا تتعامل المجتمعات والشعوب بطريقة واحدة مع المرض، فسياقاتها الاجتماعية والثقافية والدينية ولربما السياسية تشكل الطريقة التي تتعاطى معها هذه المجتمعات مع مسألة المرض. ورغم أن فيروس كورونا (كوفيد19) لا يختلف من حيث جوهرة وطبيعته وأعراضه ونتائجه من مجتمع لآخر إلا أن تعاطي المجتمعات مع هذا الوباء قد اختلف باختلاف السياقات التي تتحرك فيها هذه المجتمعات. فالدول ذات الطبيعة الشمولية السرية كالصين وإيران قد تعاملتا تقريبا في بادئ أمر اكتشاف الإصابة بالفيروس بقدر من النكران ولربما الاعتقاد من أنها مسألة وقت قد تنتهي.

إلا أن انتشار الوباء بين سكانها وعجزهما عن مواجهته دون تعاون دولي قد اجبرهما أولا على الانفتاح على المنظمات الدولية المعنية وثانيا عن الإفصاح عن حجم المرض وعدد الوفيات.

وإذا ما كانت عقيدة الانضباط والانتظام المستمدة من عقيدة الحزب الشيوعي الحاكم في الصين بالإضافة إلى إمكانيات الصين التقنية والعلمية والاقتصادية قد ساعدتها على السيطرة على انتشار الوباء من خلال تبني سياسة الحجر الصحي الكامل، فإن افتقاد إيران لكل أو بعض ذلك، بالإضافة لسيادة سياق ثقافي-ديني يعظم من بعض الأفكار المعتقدة بقوة الخارقة لبعض الأولياء والمصلحين الدينيين المنافية في بعضها لمنطق المعرفة العلمية والطبية الحديثة، قد جعلها غير قادرة بدرجة كبيرة بالسيطرة على المرض الذي حصد حتى الآن أكثر من ألفي فرد من سكانها. ورغم أن إيطاليا كانت تحتل المرتبة الرابعة بعد كوريا الجنوبية وإيران دوليا من حيث حجم الإصابات فيها، إلا أن وكما يقول الصحفي الإيراني أمير طاهري، ونتيجة للفوضى السياسية التي تعيشها إيطاليا منذ فترة ليست بقصيرة بالإضافة لعدم انضباط إدارة الدولة فيها، فإن قدرا كبيرا من الارتباك قد شكل معالجاتها لمواجهة انتشار الوباء مما ساعد على أن يأخذ المرض منها مأخذا كبيرا حتى بدت وكأنها البؤرة المصدرة للمرض في كل أوربا بل إن عدد ضحايا الوباء قد تجاوز الخمسة آلاف فرد من سكانها... وهي حالة لم تختلف عنها كثيرا اسبانيا التي جاءت في المرتبة الثانية بعد إيطاليا من حيث انتشار المرض في أوربا. إلا أن فرض سياسة الحجر الصحي الكامل فيهما قد يقود بعد أسابيع لخفض وتيرة الارتفاع في المصابين بالفيروس. وهي حالة لم تدخلها الصين إلا بعد أشهر ثلاثة أو أكثر من فرضها لسياسة صارمة في الحد من حركة الناس وتجمعاتهم. أي أن فرض سياسة التباعد الاجتماعي قد أتت بنتائج مهمة للحالة الصينية وقد تحتاج الحالات الأخرى لبعض الوقت حتى نرى بعض نتائجها. وهي السياسية التي بنيت على ما خرجت به تجربة بعض الولايات الأميركية إبان اجتياح الأنفلونزا الاسبانية العالم عام 1918 والتي راح ضحيها ما يقارب من بين 40 و50 مليون نسمه، أي قبل قرن من الزمان.


كورونا والخليج
فكيف إذن تبدو الصورة في بلدان الخليج العربي فيما يتعلق بتعاطي مجتمعات الخليج مع أزمة فيروس كورونا. أعتقد إن الوضع في منطقة الخليج ليس كارثيا كما هو في الحالة الصينية أو الإيرانية أو الايطالية، كما أن حجم الإصابات والخسائر البشرية لم يقترب من الكثير من الدول الأوربية، إلا أن ما يلفت الانتباه أن بعض المعالجات المحلية في بعض الوسائط الاجتماعية والإعلامية، لاختراق فيروس كورونا لبعض مجتمعات الخليج قد جاء متفاعلا أو عاكسا للكثير من مشكلات المجتمع الاجتماعية أو بالأحرى السياسية وإنحيازات البعض من سكانها العصبوية المنتمية في بعضها لما قبل مجتمع الدولة.

مع التأكيد على حقيقة أن انفتاح مجتمعات المنطقة على الخارج يجعل من انتقال العدوة لها أمرا حتميا وليس اختياريا. وهو انتقال لم يستثن أي من مجتمعات العالم دون أي اعتبار لمواقعها الجغرافية أو انتماءات سكانها الأثنية أو عقائدهم الدينية، فهي ظاهرة قد ارتبطت بحالة العولمة التي بات يعيشها العالم في جله.. بالمقابل فإن ردات فعل الجهات الرسمية قد تركزت في بادئ الأمر على تفادي انتقال العدوة إلى مجتمعاتها، إلا وأن العدوى قد انتقلت عبر وسائط بشرية عدة: محلية وعربية وأجنبية فإن انتقالها للجسم السكاني المحلي بات ممكنا. من هنا فإن جلها قد تبنى خطط احتواء الوباء في حدوده الضيقة كلما كان ذلك ممكنا رغم أن بعضها لا يعاني من انتشار واسع له رغم شحة المعلومات في ذلك. وهي ونتيجة لكون معظم أعضاء فريقها من الأطباء أو الفنيين الصحيين فإنها قد أخذت بإجراءات تعارفت الدول على اتخاذها في مثل هذه الحالات.


وفي محاولة لفرض سياسة التباعد الاجتماعي أغلقت هذه الدول مدارسها وجامعاتها وطلبت من جميع موظفيها أو بعضهم بالعمل من منازلهم كما أغلقت المطاعم والمسارح ودور العرض وصالات الأفراح والمناسبات وطلبت من رعاياها والوافدين التزام منازلهم، كما ودعت الناس بالصلاة في بيوتهم، كما أن بعض دول المنطقة قد قام بإغلاق مطاراته أو بعضها أو اقتصر حركة الملاحة فيها على الطيران المحلي أو الخليجي إلا أنها لم تصل بعد في فرضها لبرتوكولات العزل الاجتماعي كما قاربته الصين وإيطاليا وإسبانيا مؤخرا..


الحالة الإيطالية مرة أخرى.
فالتجربة الإيطالية بدت درسا للكثير من حكومات أوربا وتحديدا بريطانيا وإسبانيا والمانيا، فالعداء السياسي الذي يحمله الحزب الحاكم إلى حزب رابطة الشمال الذي يمثل تآلف الجماعات الانفصالية قد دفعه نحو أن يتبنى إجراءات مشددة على مناطق الشمال عنها في مناطق الجنوب، وهي في ذلك لا تمثل حالة منفردة لجهات أعطت أولوية لاعتبارات خلافاتها السياسية الداخلية عنها لاعتبارات الصحة والسلامة العامة للمجتمع. وكأن العدوى إن جاءت ستقضي على المختلف السياسي أو الديني دون الآخرين.. بل إن بعض وسائط الاتصال الاجتماعي في المنطقة قد تناقلت تعليقات وأحاديث للبعض اعتقد فيها البعض أن من ساهم في نقل العدوى قد فعلها متعمدا لإضرار بمجتمعه وسكانه. (جريدة الشرق الأوسط 13 مارس 2020)


الفكر الشعبي و كورونا
 وفي مقابل هؤلاء هناك من تبنى فكرا شعبيا أو غيبيا معتقدا أن انتشار فيروس كورونا بهذا الحجم والكم على كل مجتمعات العالم التي وصلت إلى حوالي 189دولة من دول العالم إن هو إلا “علامة من علامات الساعة وأن نهاية العالم باتت قريبة” أو أنها “عقابا لحالة الفجور والفسق الذي بات عليه الناس في هذا العالم”، أو انها تمثل “جند من جنود الله في مواجهة البشر”.. أو “بقراءة المعوذات” والتسلح كما ذهب البعض الآخر “بالأدعية” وهناك من اعتقد أن الشفاء من الفيروس هو ممكن عن طرق “توظيف دم الضب أو بول الناقة”. أو أن يعتقد شخص آسيوي قائم على أحد المساجد أن طرد الفيروس ممكن وذلك باستخدام نافخ الهواء (ابلور) أو كما اعتقد أحد العطارين في الخليج أن حرق (الحرمل) في البيوت يقتضي على الكثير من الجراثيم والفيروسات بما فيها فيروس الكورونا، وأن خلط المُرة بالماء يطهر ويعقم اليدين من الجراثيم بل إنه أكثر فاعلية من المعقمات الحديثة وأن أكل الكرات (البقل) والحلبة والإكثار من أكل البصل والثوم يبني في الجسم مناعة ضد فيروس الكورونا (اللعين).


من الناحية الأخرى فإن محاولات السلطات في فرض إجراءات التباعد الاجتماعي لتقليل أو منع انتقال العدوى والمرض يواجه عادة قدرا من الممانعة وتحديدا في المناطق الهامشية كما أن قرارات قفل المطاعم والمقاهي هو الآخر لم تستجب له كلها إذ تبقى مطاعم ومحلات الأحياء الفقيرة ومناطق إسكان الوافدين الآسيويين من العمالة الرخيصة في أطراف المدن بعيدة عن سلطة الدولة المركزية وبالتالي بعيدة عن الامتثال لقرار الإقفال والمنع.. وخلاصة القول هنا أن الإجراءات المتعلقة بوقف العمل في القطاع الحكومي والخاص قفل المطاعم والمجمعات التجارية أو تقليص ساعات عملها كجزء من سياسات التباعد الاجتماعي قد شلت وإلى حد كبير النشاط الاجتماعي والاقتصادي رغم ما جاء على اقتصاديات المنطقة من خسائر بدت كبيرة على قطاع الخدمات والنفط. وقد حاولت جل دول الخليج تحفيز ذلك بمجموعة من إجراءات الدعم والتحفيز، إلا أنها في عمومها لم توقف البعض من الخروج والالتقاء.


ومن الملاحظ أن هناك حالة من الخوف والهلع قد انتابت العامة من عدوى انتقال الفيروس إليها وأن هذا الخوف لم يترجم في الكثير من الحالات وعند البعض بعيدا عن تخزين الأغذية وبعض الحاجات، كما أن التزام الأفراد بتغطية الوجه وغسل اليدين وتقليص حركة الأفراد إلا للضرورات لم يترجم كثيرا على الواقع. بل إن بعض وسائط الاتصال الاجتماعي قد شكت من ضعف التزام من يفرض عليهم بالحجر المنزلي، وإن هذا الضعف يشمل الافراد العاديين كما هو عند بعض أصحاب المهن المتقدمة في السلم الاجتماعي والمهني، إذ كثيرا ما كسر هؤلاء إجراءات العزل الذاتي أما لأسباب اجتماعية أو ذات علاقة بأعمالهم الخاصة. فجزء من سياسات التصدي لعدوى المرض بالنسبة للعامة في الصين قد تم من خلال قبولها التام بسياسة التباعد الاجتماعي وارتداء سكانها لأغطية الوجه وتعقيم اليدين وتخلي كامل لأشهر خلت عن كل أشكال النشاط الاجتماعي واستجابة تامة لقرارات الدولة الصحية.


منع التجالس والتلامس
لقد خضع الصينيون وبشكل تام لإجراءات التباعد الاجتماعي في مقابل قدر من الممانعة في قبول ذلك عند بعض مجتمعاتنا العربية والبحر متوسطية. والحقيقة أن سياسة التباعد الاجتماعي تفرض نوعا من الحد في الاحتشاد والاجتماع والاتصال والتلاقي والتصافح والتجالس والتحادث والتقارب والتلامس، أي الحد من التساند والتواصل حسا ومعنى، وهي سياسة لا بد منها لاحتواء انتشار الفيروس وتقليص الاصابات. وقد ابتدع الإيطاليون وبعد ذلك الاسبان ولأسبابهم الخاصة، طريقة ترجع قدر من الدفء لعلاقاتهم الاجتماعية، من خلال ما يمكن أن يطلق عليه بالتلامس اللفظي، وذلك بإطلالتهم من شرفات منازلهم، يغنون ويرقصون لبعضهم البعض أو يحيون الطواقم الطبية ورجالات الأمن. أنه بالفعل ابتداع إنساني لكسر حالة انعدام التواصل الاجتماعي الذي تقوم عليه كل الحياة.


كورونا لا تفرق بين البشر
 وخلاصة القول أن فيروس كورونا رغم أنه قد بدا وكأنه يفتك بالناس وحياتهم الاجتماعية والاقتصادية إلا أنه قد وحد جهودهم في التصدي له، بل إنه بدا كأنه يقفل الدول والمجتمعات على نفسها ويوقف حركة انتقال البشر والبضائع في العالم، ويبطئ حركة التصنيع لصالح البيئة، ويرجع الأسر إلى مساكنها بعد أن هجرته طويلا لصالح مثيرات الحياة الخارجية.

لقد بدا فيروس كورونا رغم ما ألحقه بالأفراد والمجتمعات واقتصاديات الدول من أضرار شديدة، مطيحا بقوى العولمة ومعيد بناء الحدود بين الدول، بل بدا وكأنه يعيد تشييد فكرة الدولة القومية التي أطاحت بها قوى العولمة.


 وهو ككل الأمراض والفيروسات المعدية لا تتعامل مع الناس والحياة من منطلقات دينية أو مذهبية أو عرقية. بمعنى أنها لا تستهدف جماعة ما لسبب دينها أو عرقها أو موقعها الجغرافي فهي قد اصابت المسلمين بطوائفهم كما اصابت المسيحيين بطوائفهم كما اصابت الهندوس والبوذيين وأصحاب الديانات الأخرى.... كما أن القضاء على فيروس كورونا المهدد للحياة في إطاره العام لا يمكن أن يتم بإجراءات حكومية صحية وأمنية دون أن تكتمل هذه الجهود “بفزعة” مجتمعية يلعب فيها الأفراد والجماعات دورهم المسئول في الالتزام بالضوابط والارشادات الصحية والتزام إجراءات التباعد الاجتماعي والتخلي عن جزء من رفاهية أو حاجة الاجتماع في حياتهم العامة والخاصة.


فكر المؤامرة يجاحنا
ورغم أن البعض حاول أن يفسر ظهورها في الصين وبعد ذلك في إيران كجزء من الاستهداف الغربي والأميركي لهذين البلدين، إلا أن انتشاره بعد ذلك في كل الدول الأوربية واختراقه بل وانتشاره بشكل سريع ومصاحباته الاقتصادية و السياسية الكبيرة على المجتمع الأميركي بولاياته المختلفة، أسقط فكرة المؤامرة عن فيروس هو في حد ذاته قد فاجأ البشرية باختراقه وفتكه ببعض المجتمعات التي بدت خدماتها الطبية أعجز من أن تستطيع ضبط معدلات انتشاره و فتكه للسكان في بعض المجتمعات، كما هي في إيطاليا و اسبانيا و بريطانيا وقد تطول القائمة في القادم من الأيام و الأسابيع..

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية