العدد 4145
الأربعاء 19 فبراير 2020
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
قالبك أهم من عجينك!
الأربعاء 19 فبراير 2020

مجتمعاتنا مشغولة بصناعة القوالب! تستميت في الحفاظ عليها، والتأكد من أشكالها الثابتة التي لا تتغير! وفي المقابل لا تغفر لأحد الخروج عن شكل القالب! أما ما يكون داخل القالب؛ فهو أمر ثانوي، إن لم يكن هامشيا! فهو قابل للتعديل، أو التغيير، أو التلوين، أو الإضافة والنقصان! بالضبط مثل عجين الكعك! والعجين هذا – كما تعلمون – هو عبارة عن خلطة داخلية، مستورة، غير معروفة! أما القالب فهو الظاهر، وهو الشاهر الجاهر، ولذلك؛ يجب أن يكون متوائمًا ومتوافقًا مع أعراف وتقاليد، وطريقة نظر وتفكير المجتمع.

العجين يمثل الجوهر، والقيمة، والمخبر، والنوايا، وهذا لا محل له من الإعراب، في زمن غارق في الماديات، وعمليات التجميل الخارجية، ولا أقصد هنا تجميل الجسد فقط، بل تجميل السلوكيات، وتمثيل الأدوار؛ بحيث يظهر الواحد منا في القالب المطلوب، والمرغوب فيه مجتمعيًا، لا يحيد عنه أو يزيغ، علّه – بذلك - ينال الرضا، والقبول، والاقتراب من جماعته.

غالبيتنا قوالب تسير على الأرض! قوالب أصبحناها، وتلبسناها، ضمن ما هو مألوف، وجاهز، ومرسوم لنا، كأفراد في جماعة.. فإن رغبتُ في أن أكونَ متدينًا - مثلا – فلن يُعييني أو يشقّ عليّ البحث عن القالب الذي سيحدد شكلي الخارجي؛ فهو معلوم ومعروف لديّ سلفًا، ولا مجال للخروج ببدعة هنا! كل ما علي القيام به، هو تبني المطلوب الآتي: طبيعة ملابسي، وطريقة مشيتي، وكيفية تحركي، ونبرة صوتي، وحضوري اليومي إلى المساجد! وقس على ذلك أي قالب ترغب أو تقرر أن تكونه.

فأي قالب اخترت أن تكونه أنت؟ أية صورة رسمتها لنفسك، وأردت من الآخرين التعاطي أو التعامل معك على أساسها؟! قد لا تكون وظيفتك بالضرورة هي قالبك الخارجي! قد ترغبين – أنتِ - في أن تكوني (الفاشنيستا) أمام بنات جنسك؛ فتلبسين قالبها، وتتصرفين على أساسه! قد تُصر على أن يناديك الآخرون بلقب (الدكتور)؛ لأنك تراه ممثلا للقالب الذي تريد الظهور به إلى الناس! وهكذا، وفي جميع الأحوال؛ فإن اختيارك للقالب الذي ستبرز فيه إلى الناس، لن يحدد تصرفاتك نحوهم فقط، بل تصرفاتهم هم تجاهك.

من هنا؛ احرص على اختيار قالبك، لا لأنه سيمثلك وحسب، بل؛ لأنك ستتحمل جميع تبعاته وأوزاره، فالناس لن تحكم على عجينك المخفيّ داخل قالبك – كما أسلفنا – بل على مقدار ما تظهره من سلوكيات، وأفعال خارجية! الجميع معنيون بما تُظهر، ويفترضون أنه مرآة عاكسة لنواياك، وإن لم تكن كذلك حقيقةً! هؤلاء البشر لن يعنيهم عجينك؛ فهو لك، هم فقط معنيون بالقالب الذي أصبحته.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية