العدد 4145
الأربعاء 19 فبراير 2020
ريشة في الهواء أحمد جمعة
تهميش المثقفين والأدباء أنفسهم!
الأربعاء 19 فبراير 2020

أندهش من بعض الأدباء والكتاب حين يشتكون معاناة تهميشهم، وهم من همشوا أنفسهم بأنفسهم، حين لم ينتبهوا لمكانتهم، فالثقافة، سهلة الهضم وعسيرة الهضم بذات الوقت، سهلة حينما تنطلق من نافذة واسعة للقادم من الخارج، أيا كان؟ كتابا أو موسيقى؟ محاضرة ثقافية أو سياسية؟ مقابلة تلفزيونية، أنت أيها المثقف أو الأديب أو المحاضر، عندما تكون من داخل الوطن، عليك أن تقدم كلّ ما لديك على خشبة أو فوق منصة وشكرا مع السلامة؟ أما أنت أيها القادم من خارج الوطن، فقد حزت بداية على تذكرة السفر بدرجة رجال الأعمال وحجز لأيام بفندق خمس نجوم وتكريم مالي وأدبي وتوديع مع مرافق لباب الطائرة، أما عن الأسعار فالأديب والمثقف المحلي! لا سعر له، المقابلة التلفزيونية بدون مقابل والمحاضرة بمركز ثقافي مجانية والندوة في قاعة رسمية مجانية، وإذا كان لابد من ثمن فهو رمزي في شكل ورقة صفراء اسمها “شهادة تكريم” “غطسها واشربها مع الشاي”! كل شيء يبدأ بمقابل مع الضيف الأجنبي وينتهي بالمجان مع الضيف المحلي، لماذا هذا التهميش للعنصر الوطني؟ إلى متى ستبقى النظرة قاصرة تجاه الكاتب والفنان والأديب الذي أفنى حياته داخل الوطن وتسمو النظرة بمجرد الاقتراب من العنصر الخارجي؟ مثل هذا النظام قصير النظر السائد منذ عقود طويلة حان الوقت لتعديله، ووضع العنصر الوطني بالمكانة التي يستحقها حاله حال بقية الثقافات بالعالم.

لكن للأسف الشديد، يتحمل المثقف والأديب جزءًا من هذه المسؤولية لأنه ارتضى لنفسه هذا الوضع وهذا التهميش حين رضي وقبل هذه المعاملة، فبمجرد أن طلبت منه المشاركة بفعالية، لا يصدق حتى يعدو إلى تسلق المنصة همه الوحيد البروز والانتشار، بهذه الهرولة كتب على نفسه أن يضعها بهذا القالب والاستسلام لهذه المكانة، وعليه ألا يشكو بعد ذلك في التقليل من شأنه، ويحضرني بهذا المقام قول أبوالفرج بن الجوزي: يرون العجيب كلام الغريب... وقول القريب فلا يعجب، وعذرهم عند توبيخهم... مغنية الحي ما تطرب.

هكذا تضيق خريطة الوطن على العنصر المحلي مهما بلغ من إبداع وتتسع للعنصر الأجنبي مهما بلغ من إسفاف، وصدق القول المأثور، “لا كرامة لنبيٍ بين قومه”.

 

تنويرة:

الجميع يؤمن بأن الأرض كروية، لكن تصرفاتهم لا تدل على ذلك!.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية