العدد 4117
الأربعاء 22 يناير 2020
ريشة في الهواء أحمد جمعة
“الأسود والحملان”
الأربعاء 22 يناير 2020

قبل سنوات كتبتُ مقالا حذرتُ فيه من تآكل الخريطة العربية وانهيار النظام العربي، واستشهدت حينها بالقصة التالية التي بلغناها اليوم في عموم الساحة العربية، من العراق وسوريا إلى اليمن وليبيا وتونس، والبقية تأتي، خصوصا أن هناك عيون وعقول الماكينة الغربية على دول الخليج! التي تحاول العبث بالقواعد التي وضعها المؤسسون لمجلس التعاون، القصة المستوحاة وردت في سياق أحداث الحرب العالمية الأولى، بقيام جنرال ألماني بالتعليق على شجاعة الجنود البريطانيين مقابل تخاذل بعض ضباطهم حينما قال هذا الجنرال ممتدحاً الجنود الإنجليز: رأيت أسوداً في الميدان تقودها حملان.

هنا تكمن حكمة العبارة ومصداقيتها وانطباقها على الكثير من الأوضاع في الوقت الحاضر وليس في ميدان الحرب ولكن في الحياة والسياسة والعلاقات العامة وكل مرافق الحياة، فحينما تقود الحملان الأسود فلابد أن هناك خللا في التوازن الطبيعي وخطأ جسيما، ماذا يحدث إن اختل النظام العام في الحياة؟

تحدث الفوضى وتتحول المجتمعات إلى غابات تحكمها القوة، مثل أميركا وأوروبا وروسيا وحتى تركيا وإيران! والأسود والحملان هنا تتبادل الأماكن وتلجأ القوة إلى إلغاء القانون وفرض الأمر الواقع، وهذا ما يجري الآن في ليبيا حيث تحول التركي الحمل إلى أسد وتحول العرب جميعهم إلى حمل، وهنا تبدو الأمور مقلوبة ونحاول هنا وهناك ترقيع وترميم ما في وسعنا من دون أمل كما يبدو للوهلة الأولى.

ونحن الآن في خضم فوضى تضرب المنطقة ويبدو فيها العرب قد فقدوا السيطرة على الأحداث وبدأ الآخرون يجرونهم للساحات الداخلية، فبدلاً من محاربة إيران في أراضيها تحاربنا هي في لبنان والعراق وسوريا وتركيا تحاربنا في ليبيا، ولا نعلم غداً من يحاربنا أين؟ العفاريت المختبئة في الظلام تهيمن على ديارنا وقد أثمرت في بعض المواقع فوضى، وأينما ذهبنا نبصر الأحداث تسيح من حولنا ونحن أشبه بالترس الذي وُضِع في آلة لا تناسبه، نحن إزاء إشكالية تتجلى بانعدام القدرة على وضع آليات تجعلنا نقود المبادرات بدلا من أن تقودنا مبادرات الآخرين، فقد انتظرنا حتى تغرق لبنان والعراق وها هي ليبيا لنبدأ الولولة ونتحرك ونجري والتداعيات من حولنا تتراكم.

نبدأ كل صباح ومساء بتصفح الجرائد ومتابعة الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي لنقرأ أخبار الأسود تتحرك في كل مكان والتي كانت قبل ذلك مجرد حملان، حتى بلغ الأمر الرضوخ للأمر الواقع وهو فقدان العراق وسوريا ولبنان وهذا ما زرعناه وهذا ما جنيناه، فهل نتوقع أن من يزرع تمراً يجني منه أرزاً؟ سفن الآخرين تبحر بالطاقة النووية وسفننا تبحر بالأشرعة والبحر هائل بالأمواج العاتية، ولكن إلى أين؟

 

تنويرة:

دع الرياح تسير مركبك ولكن اعرف قبلها اتجاهك.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية