العدد 4115
الإثنين 20 يناير 2020
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
الفرَج الكبير
الإثنين 20 يناير 2020

وننسج من الحب أغنية لكل آهة حزن، لكل أم افترشت الطريق، عينها تلوّح للغياب أن يكون حضورا مرددة: “يا بني ضلْعك من رجيته لجل ضلعي جبّرته وبنيته، يبني واحسب الشيب الي من عمرك جنيته”.

تتصفح في أسماء وأوجه كل العائدين، هل يطل بينهم حبيبها، عل الدهر يبتسم لها، فتجد اسمه ما بين السطور ولو سقط سهوًا؛ تتأمل فيه فنجانًا مقلوبا، عريسًا جديدًا مع حياة جديدة. نعم للوعي، لكل شاب عاد وعيه أملا في الحياة، يقبل رأس أمه، ويكفكف دموع زوجته، ويذيب أطفاله الصغار (نسمات العليل) بين أحضانه؛ ليكتب مشروعا جديدا للحياة عملا ورحلة عمر ليعود للواقعية السياسية، لوطن يعيش من أجله، يعاتبه لكنه لا يرضى عليه، يصنع التوازن ممسكًا بعصا السياسة ولو يمشي بأطراف أصابعه على حبل مشدود.

عصفور واحد يغرد في الصباح كفيل بعودة الربيع، فكيف إذا امتلأت شجرة الوطن عصافير بشرية، همها التغيير والإبداع والتنمية والإصلاح والتطوير. لست رومانسيًا، ولا أؤمن بالأحلام السياسية، واليوتوبيا، وأنا أحمل آلتي الحاسبة لأرصد أرقام الاقتصاد أو أقيس حجم القماش الوطني، وهو يمتد على مساحات قرانا ومدننا البحرينية، وأنا أتطلع على مرفأ المراجعة، وميناء النقد، وشواطئ المساءلة مراقبا رجوع سفن بعض شبابنا لميناء الحقيقة. هؤلاء هم شبابنا البحريني المكتنز بالأمل واضعًا يده بيد الوطن ليبني، ويعمل، ويصنع.

ما رأيناه من شباب بحريني سنة وشيعة قناصين لمرمى الساحة الخضراء حيث صنعوا الفارق وحملوا الكأس الأبيض في كأس الخليج العربي، أو كرة اليد والسلة وغيرهم، الذين حولوا الفرح إلى ثوب قومي يلبسه الجميع، يوجد أمثالهم مئات أو ألوف في الاقتصاد والإعلام والفن والموسيقى والإنتاج والمعرفة، لكنهم يحتاجون إلى فرصة. أعرف مفكرين بحرينيين، ورسامين، ومفوهين إعلاميين وتوكنوقراط وتجارا من كل الطوائف فقط يحتاجون إلى اكتشاف، وصناعة المناخ، وجو التخصيب والاحتضان، وهم قادرون على صناعة المعجزة البحرينية في شتى المجالات. السياسة أكلت إبداعنا، نار الإقليم أحرقت الكثير، وزادت من رنة اليأس في أحاديثهم، وبعضهم فاته جمال المشروع الإصلاحي لجلالة الملك وهو يؤسس لمشروعه الكبير رغم العواصف والأعاصير الإقليمية وبقيت يده على مقود السفينة والأخرى تشير للمستقبل، قبطان في وسط العاصفة يفكر في لغة الإنقاذ وتحويل الأمل إلى تمثال وكما قال الإمام علي (ع): “فضيلة السلطان، عمارة الأوطان”.

هؤلاء الشباب المنثورون على سياج حديقة الإبداع ورودًا، ظلوا ملتهين في صناعة عوالمهم الصغيرة، وقد جاء الوقت، وسمو ولي العهد مافتئ يلقي شباك الاصطياد الجميل لمبدعين أغرقهم البحر، فالتفوا في محارة مع اللؤلؤ في أعماق بحر النسيان في انتظار الاكتشاف الكبير. وقد جاء الوقت يلوح بيديه لنسج الأسطورة من خيوط الحرير عبر مغزل بأصابع دانة اسمها البحرين، جاؤوا ليغتسلوا في عين الوطن بماء الذهب وزخات المطر.

يقول أحد المفكرين: “العقل يملأه الأسبق”، فدعونا نكون سباقين في تصحيح مفاهيم الشباب، وإزالة الأتربة، والغبار، وهنا علينا أن نحتضن الشباب البحريني فكرا وثقافة ونوصله إلى جمالية الطريق الصحيح، لا أن نوصله إلى حد اليأس. إذا ابتعدنا نحن أو الدولة سيخطفهم الطاعون، فينطبق علينا مفاهيم رواية عالمية، ففي رواية “الطاعون” لآلبير كامو، ينعزل أهل المدينة، ويخطف الطاعون كل يوم بعضا منهم، وفي روايات الآلهة القديمة، يقدم السكان كل يوم أضحية لإرضائها، فينتهي بهم المطاف إلى الضياع أو الموت.

دعونا نقرأ، وأدعو الناس لقراءة قانون العقوبات، والتدابير البديلة قراءة فلسفية ببعد إنساني يرفرف على ناصيته حمائم الأمل كفرصة لالتقاط بلسم وشفاء ورشتة دواء للملمة جراح، وعودة للبصيرة قبل البصر من خياطة حضن دافئ للعودة في إعادة بناء الوطن بعيدا عن دراما الانفعال، وشعارات العاطفة التي انتشرت من فتن الإقليم، وأن نستفيد من ألم الماضي بأن نضع أيدينا بيد جلالة الملك، وسمو رئيس الوزراء، وسمو ولي العهد في أن نشارك في كل المشروعات المقبلة والبحرين مقبلة على مشاريع اقتصادية واستثمارية من تدشين مصانع، وغيرها، ومن وحدات سكنية، وهنا أدعو الناس إلى حفل بحرين وطني كبير يوم ذكرى الميثاق الوطني، ونرفع اسم البحرين، وصور جلالة الملك كما فعلنا في فوز منتخب البحرين بكأس الخليج وأن نجعل الاحتفال مميزا، كضفيرة شعر نخلة بحرينية، وأخاذا كعطر باريسي، وكبيرا كعرفان لموقف جلالة الملك من المواقف المتتالية، ولأن يكون 2022 عام عرس الانتخابات البرلمانية الكبير بمشاركة الجميع، بلا مقاطعة، ونعطي أكبر نسبة لطي صفحة مؤلمة من ذكرى اشتعال الإقليم في 2011، وتجاذباته الجنائزية، وما فعله في كل عالمنا العربي من فوضى، لنوصل رسالة للعالم أن الأعراس عادت أكثر زخمًا وقوة بعد أن فهمنا جميع الأخطاء، ودور الدول والسفارات والإعلام العالمي كيف كان يصب الزيت في النار. لا تستهينوا من دور الشعار أو رسالة رفع أي صورة أو لهجة أي خطاب، وكلما كان الشعار وسطيًا ووطنيًا ومعبرًا وصادقًا ودقيقًا استطاع أن يصل إلى القلب، وإلى بناء الثقة وشفاء القلوب. وهنا أرفع التحية لكل أب بحريني ولكل شاب رغم اشتعال الحرائق بداية العام خصوصًا بين أميركا وإيران، إلا أن الشباب البحريني أعطى صورة حقيقية تنم عن المسؤولية، وفهم دروس الماضي، وعدم تكرر الأخطاء في النأي بالنفس عن تجاذبات الإقليم.

هذا يدل على الوطنية والحكمة ونضج الوعي السياسي. والخطوة الأخرى لطوي مثل هذه الصفحة الأمل في نشر الوعي بتصحيح كل المواقع الإلكترونية من أي شعار إقليمي أو ما يشير بدلالة رمزية لأي منطقة في الإقليم وكل ذلك سيعزز الأمل والثقة لتنشغل جميعا في عودة البحرين لجمال اكبر، فقطرة تلو قطرة تمتلئ ساقية الثقة إلى أن يكون تدفق النهر الكبير والفرج الكبير.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية