العدد 4107
الأحد 12 يناير 2020
ريشة في الهواء أحمد جمعة
الوطن حتى لا يكون في مهب الريح
الأحد 12 يناير 2020

“وطني وصبايا وأحلامي”، الجيل الذي عاصر هذه الأغنية، لم يعرف الكراهية، والطائفية، لم ينغمس بالحروب الداخلية الصغيرة، لأنه ببساطة لم تكن لديه وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى لو كانت لديه، لكان استثمرها بأحلامه التنويرية، وتطلعاته الوطنية، وازدهار وعيه بالثقافة والمعرفة والوعي الحضاري والإنساني الذي كان يعيشه بحرية وبلا قيود دينية ومذهبية وعصبيات قبلية، كان جيل الزمن الجميل وزمن التنوير، هو الذي أسس لحركة التعليم والثقافة والمعرفة التي بنت أوطانا نعيش فيها اليوم، لكن للأسف خربتها الحروب الطائفية والعصبية والتخندق المذهبي والتطرف الديني مع الانحراف السياسي.

أبدأ بهذه المقدمة وأنا أتأمل الآن حالة المنطقة وما بها من تشرذم وانقسام وانفصال عن اللحمة الوطنية، ولن أتحدث عن من تقع عليه مسؤولية هذا الارتداد للعصور المظلمة، لكن فقط أراقب وضع المنطقة عشية الصراع مع إيران، وإذا ما الحرب هي التي ستحسم في النهاية كل الأمور المعلقة، فحالة التأهب بالمنطقة على كف عفريت، وما تنقصنا سوى شرارة طائشة حتى ينفجر البركان، والكل يدرك حتى إيران ذاتها أنها ليست حمل مواجهة مع أميركا التي تستحوذ على ترسانات خرافية من الأسلحة من شأنها أن تبيد العالم مرات عدة وليس مجرد إيران، لكن الحرب حرب، والدمار يعم ولا نتمنى الحرب، لكن إذا لم تكن هناك وسيلة لفقء الدمل المحتقنة سوى المشرط، فإذا الحرب وسيلة في بعض الأحيان لتحقيق السلام، ومع ذلك أؤكد أنه لا أحد يهوى سفك الدماء وتدمير بنية الاقتصاد بالمنطقة وتحمل وزر عقود أخرى من التخلف وتحمل تكلفة الحروب.

وهنا لا يبقى سوى خيار الشعوب ووحدتها والتفافها حول جبهة داخلية، تزيل عنها الاحتقان وتؤسس لجيل يشبه الجيل الذي تحدثت عنه بداية المقال، الذي لم يعرف الانشقاق والتمزق كالذي نراه يضرب بجذوره الدول العربية ولا تكاد تخلو دولة عربية منه، ففي العراق تمزق على أيدي المليشيات من عصائب وعصابات وإخوان وحشود احتلت مكان الدولة، وكذلك ليبيا واليمن ولبنان وغيرها، ولم يبق متماسكا بهذه الظروف سوى منظومة مجلس التعاون بالمنطقة التي تشهد بعضها تحديات لابد من تجاوزها.

إذا نحن نقف بمفترق طرق بالمنطقة الإقليمية كلها تبدو فيها الخريطة تحت ظلّ التقسيم أو التعديل أو الرسم من جديد، وما ينقذ هذه الأوطان من الانهيار الكامل تمهيدًا للتقسيم وإعادة الرسم، سوى شعوب المنطقة ذاتها التي عليها نبذ الصراع والالتفاف حول الوطن من دون تمزق أو انقسام ديني أو سياسي أو مذهبي، الذي للأسف هو ما آل إليه الوضع بالدول التي تمزقت. حان الوقت لنبذ الانقسام والالتفاف حول الوطن وحده.

تنويرة: السباق الذي لا تعرف عنه شيئا، لا تراهن عليه.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية