العدد 4052
الإثنين 18 نوفمبر 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
“لي كوان يو”... البشر قبل الحجر والإنسان قبل الأرقام
الإثنين 18 نوفمبر 2019

لم يكن قديسًا لكنه بطعم القداسة، سياسي لم تلوثه السياسة، “لم يكن تدينه حائلًا عن علمانيته، ولم تكن علمانيته عبئا على تدينه، فالدين لله والوطن للجميع”. وقف ذات يوم وهو صغير متسمرا وهو يرى عبث المحتل الياباني كيف يركل الأمل في الجزيرة الصغيرة، وشهد تراكم الجشع البريطاني على ترابه؛ حتى كبر الصبي، وشهد كيف تخلت ماليزيا عن جزيرته (سنغافورا) كأنها تقتطع ورما سرطانيا ملفوظا عن بلادها. بكى الزعيم عندما وجد سنغافورا في العراء بلا موارد ولا نفط وحتى الماء يجب أن يشتريه من الام ماليزيا التي تركت الجزيرة في العراء كيتيمة رميت بليل ماطر في ملجأ.

هذه هي دموع العظماء التي تستحيل الى ذهب، عندما تتعملق الإرادة وتتضح كثافة الرؤية أمام غموض الضباب، وعندما يكون المورد الأكبر قرار الزعيم ليكون زعيم القرار. استلم الزعيم السنغافوري العظيم لي كوانيو سنغافورة طبقا مليئًا بالذباب والقمامة والفئران والفقر والبطالة في غابة تستعرض فيها الجريمة نرجسيتها، والبيوت العشوائية سخطها، والشوارع المقطعة الأوصال بؤسها وجعها من الحروب والفتن، لكنه آثر أن يزرع الأمل، ويكون أكبر من التحدي فكان العين التي تصمد أمام المخرز ونبتة الحسكان أمام قسوة الجفاف. هزم العواصف بجسده النحيل، وكأنه يجسد بطولة رواية العجوز والبحر للروائي العظيم همنجواى.

حمل الجرح على ظهره، وسار بالألم مكابرا، ينزع الشوك ليزرع الشوق يقوده التوق ليصنع القمر. زرع حب سنغافورا في المختلفين مذهبيا ليتمذهب المختلفون توحدًا مذهبيا ذهابا وذهبا ومذهبًا. في ظل البطل لي كل القواعد انقلبت على نفسها حتى الحديث الشريف “اكتم عن الناس ثلاثا: ذهبَك وذِهابك ومَذهَبك” ليكون الثلاثة زجاجا شفافًا يرى الثلج فيه وجهه الثلجي في مرآته البيضاء كريستالا.

ففي سنغافورا توحد المقسم ليكون قسمًا على قسم في منصة برلمان أو شرفة فقير من طوائف وأديان وأعراق من مسلمين مالاويين وصينيين وهنود ليجرم الطائفية بقانون، ويسعى لإدماج الكل المختلف في الكل المتحد لتكون سنغافورا بوتقة التوحد للفسيفساء البشري المختلف. دمج الشعب في لوحة إنسانية على جدار وطني في الجامعات والمدارس والوزارات تحت مبدأ تكافؤ الفرص. قلب المعادلات وراح يرفع شعاره “البقاء ليس للأقوى؛ بل البقاء للأجدر للكفاءة”، لا للنسب أو المال أو الطائفة أو العرق. صهر الجميع تحت مظلة المشروع القومي السنغافوري.

كان شعاره البشر قبل الحجر والإنسان قبل الأرقام. تطور الاقتصاد، وأصبح أكثر تنوعًا وأصبحت سنغافورا مركزًا ماليًا وتجاريًا مهمًا، وملتقى لطرق المواصلات. كما أن للسياحة أهمية كبيرة. المعجزة السنغافورية تحققت عندما كان لي كوان يو ساحرًا بالتنمية، ويمتلك بلورة سحرية الأفكار والتنوير والحداثة المستحمة مع الأصالة على شواطئ التغيير.

رجل عرف كيف يقي الشجرة المالية للوطن من سوس الفساد والعمولات والصفقات الجشعة التي يتفنن ضباع المال وحيتانها في الإثراء السريع ؛لهذا تعد سنغافورة الأقل فسادًا في العالم. يبلغ دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 70,530$:

إن أساس ثروة سنغافورا هو قطاع الخدمات المالية، وتصدير المواد الكيميائية، والليبرالية الاقتصاديّة التي تشجّع على النمو والابتكار العلمي، كما يعدّ ميناء سنغافورة ثاني أكثر موانئ العالم ازدحاماً. ويعد دخل الفرد السنوي من أعلى المعدلات في آسيا.

ويتمتع الناس في سنغافورة بمستوى مرتفع من المعيشة، والرعاية الاجتماعية. فهناك طبيب لكل 837 شخصًا، وسرير في مستشفى حكومي لكل 269 شخصًا.ان النسبة المئوية لنمو الاقتصاد في عام 2007: 7.4 %

وإذا كان معدل نمو الإنتاج الصناعي: 6.8 % (2007) فكيف الآن؟ لاعرف تضاريس شخصية هذا النبي الاقتصادي، عكفت على قراءة مذكراته (قصة سنغافورا) مذكرات لي كوان يو. دار العبيكان. يقول وهو يسأل نفسه باكيًا بعد انفصال ستغافورا عن ماليزيا في بلد بلا موارد، وعبارة عن مستنقع في ص 24 “كيف كان بوسعنا أن نحيا حقًا؟ حتى مياهنا تأتي من الدولة الماليزية المجاورة؟!!” وعن اندونسيا التي كانت تستعدي سنغافورا في صفحة 25 “كانوا يتسللون الى سنغافورة لتفجير القنابل والغازات العسكرية”.

هذا إضافة الى خوفه من تكدس البطالة التي سيخلفها خروج البريطانيين وإغلاق القواعد. لجأ القديس ويا للقدر، إلى العالم العربي ليساعدوه، ومنها مصر.

يقول في صفحة 17وهو يشكو بلدًا بين يديه خالية من كل شي “لقد طلبت من مصر إرسال خبير في بناء قوة دفاع بحرية”. الا ان هذا الزعيم العظيم أسس الدولة عبر قرارات حاسمة: الديمقراطية، والشفافية، وتجريم الطائفية، وقانون احترام الأديان، ومبدأ تكافؤ الفرص، ومحاربة الفساد، وتنوع الاقتصاد، ورفع مستوى النمو، وبناء البنية التحتية لجذب رؤوس الأموال، واستقلالية القضاء، وفصل السلطات، والتجارة الحرة مع محاربة البيروقراطية مع الحفاظ على هوية سنغافورية دون إذابتها في بوتقة الرأسمالية كليًا. إنه لي كوان يو، القديس الذي يستسقى به الغمام، والفارس القادم من التاريخ بعين نسر وقلب أسد وأصابع امرأة لجسد مطعم من روح الملائكة. فسلام عليك يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حيا.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية