العدد 4044
الأحد 10 نوفمبر 2019
الشيعة العرب ونظام الحكم في إيران.. جولة مع رسائل القراء
الأحد 10 نوفمبر 2019

بعد أن نُشر مقالي الأسبوع الماضي تحت عنوان “الشيعة العرب ونظام الحكم في إيران” وتم توزيعه وتداوله بشكل واسع وسريع عبر مختلف الوسائل والمنصات، تلقيت كمًا هائلًا من الرسائل والاتصالات التي تضمنت الكثير من الملاحظات والآراء والمعلومات الإضافية، وكانت الغالبية العظمى منها تثني وتشيد وتتفق تمام الاتفاق مع ما تضمنه المقال، كما كان عدد قليل جدًا من تلك الرسائل والاتصالات تشجب وتندد وتعترض على ما ورد فيه، بعضها بشدة وحدة وبانفعال واحتقان وتشنج، وقد وردني عدد منها من أشخاص يرون أن النظام الحاكم في إيران “خط أحمر” لا يجب المساس به بأي صورة من الصور؛ حيث يرأسه أئمة ورجال دين كبار صالحون يؤدون واجبهم برعاية وبتفويض ونيابة عن الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه)، وهم بذلك يتمتعون بهالة من القدسية والعصمة والحصانة الإلهية التي تحميهم وتحفظهم من الخلل والزلل أو ارتكاب الخطأ أو الرذيلة “فكيف تتجرأ على انتقادهم وانتقاد أفعالهم وسياساتهم؟”، وحيال هؤلاء ليس في وسعنا إلا الدعوة لهم بالهداية والسداد والصلاح.

وآخرون من تلك القلة خَلصَتْ إلى القول بأن النظام الحاكم في إيران لا يسعى إلى بسط نفوذه وسطوته على المنطقة، ولا يهدف إلى حماية الشيعة العرب فقط، لكنه يسعى ويضحي بالأموال والأرواح من أجل وبغية الدفاع عن كل المسلمين العرب والوقوف إلى جانبهم والدفاع عن قضاياهم المصيرية؛ وهو لذلك على سبيل المثال يقف بقوة وصلابة مع الفلسطينيين على الرغم من أنهم ليسوا شيعة، ويدعم قضيتهم العادلة بكل صلابة وإصرار، في حين تخلى عنهم أشقاؤهم العرب وباعوا قضيتهم بأبخس الأثمان، وهذا قول لا يسعنا إلا أن نبدي كل الاحترام والتقدير لأصحابه، مع اختلافنا معهم.

إن أحلى وأجمل ما وردني رسالة مطولة من أحد القراء ذكر فيها أنه لن يرعبنا أو يهمنا تهديد النظام الحاكم في إيران ب “تصدير الثورة” إذا قمنا بسد الحاجة إلى استيرادها في بلداننا، مشيرًا إلى أن مواجهة الأطماع والتهديدات الخارجية تتطلب أولًا وقبل كل شيء ضرورة تحقيق العدالة والمشاركة والمساواة، ودعم وتأصيل روح الأخوة والوحدة الإسلامية بين المسلمين العرب كافة، وتعزيز القيم الوطنية وأواصر القومية العربية والولاء للأوطان، والتصدي لكل محاولات التفتيت وشق الصف والتفرقة بينهم، وتأكيد أن ما يجمعهم أكثر بكثير مما يفرقهم، وأنه إذا كان التشيع يعني حب آل بيت النبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فإن كل المسلمين بمذاهبهم وطوائفهم كافة هم شيعة ويحبون آل محمد ويقتدون بقول الإمام الشافعي رضي الله عنه عندما قال: إن كان رفضًا حبّ آل محمّد.. فليشهد الثقلان أنّي رافضي، وعندما قال: “يا آلَ بيتِ رسولِ الله حبُّكمُ.. فرضٌ من الله في القرآنِ أنزلهُ.. يكفيكُمُ مِنْ عَظيمِ الفخرِ أنكمُ.. مَنْ لم يُصلِّ عليكم لا صَلاةُ لهُ”.

ووردتني اتصالات عدة تحمل المعنى والفحوى ذاتها للرسالة التي بعثها أحد الأصدقاء المتابعين والمهتمين، جاء فيها أن المقال “فيه تشخيص حقيقي للواقع الإيراني وتعاطيه مع الشيعة العرب كورقة يستخدمها متى ما أراد بعيدًا عن العناوين والشعارات البراقة التي يحملها ويسيل لها لعاب البسطاء منا”.

كما قال قارئ إن النظام الحاكم في إيران “يستعمل الشيعة العرب وقودا لمخططاته ولحروبه في المنطقة... وقد سوّقت إيران لنفسها من خلال استعمال التشيّع واستغلاله كي تغيّب العقل وتسيطر على العواطف”.

قارئ آخر صحح معلوماتي وقال إن نسبة الشيعة في جمهورية أذربيجان تفوق 75 %، ولفت نظري إلى أن مصلحة النظام الحاكم في إيران ومناهضته للحس القومي الأذري جعلته، كما هو معروف، يقف دائمًا ضد الحكومة والشعب الأذري الشيعي في جمهورية أذربيجان وينحاز إلى جانب حكومة وشعب أرمينيا المسيحية، مع أن مرشد الثورة السيد علي خامنئي ينحدر من أصل أذري، في الوقت نفسه فإن تركيا السنية تقف إلى جانب جمهورية أذربيجان الشيعية في خلافها مع أرمينيا المسيحية؛ وهذا هو الوجه الحقيقي للسياسة والمصالح دون رتوش أو عمليات تجميل أو مساحيق دينية أو مذهبية.

وبعث لي أحد القراء مقتطفات من مقال للكاتبة العراقية الشيعية رغد عبدالرضا الجابري خلاصته أن النوايا الحقيقية لحكام إيران في العراق تتجلى في تشجيع العراقيين على توجيه جهودهم نحو القضايا والشعائر الدينية بينما “تفرغت هي وركزت جهودها لبناء جيش قوي، وللتصنيع والتسليح العسكري على وجه الخصوص، والاختراعات والابتكارات.. وهي في طريقها الآن إلى إنتاج السلاح النووي”، ثم تساءل: “كم مركز للدراسات والبحوث العلمية بنته إيران في العراق؟”.

قارئ قال لي “مع كل معطيات العصر الحديث فإنكم قد فشلتم في التعامل مع الشأن الشيعي العربي، وأنكم أنتم المسؤولون عن دفع بعض الضائعين والتائهين وضعاف النفوس من الشيعة العرب إلى الارتماء في أحضان النظام الحاكم في إيران عندما جعلتم من كل شيعي عربي مظنة شبهة ولاء لإيران، ووصمتم الشيعة العرب ووصفتموهم دون استثناء بأنهم أذناب وخونة وعملاء ومجوس وصفويون وأبناء... والعياذ بالله”.

كثير من التعليقات والرسائل دارت حول “نظرية ولاية الفقيه” التي يعتقد البعض أن كل الشيعة يؤمنون بها، وهذا خلاف الواقع، فالحقيقة هي أن هذه القضية جدلية بالنسبة لفقهاء الشيعة في أحسن الأحوال، وإن لها قراءات وتفسيرات متعددة ومتباينة ومختلفة حتى بين أتباعها والمؤمنين بها.

و “ولاية الفقيه” مصطلح جديد لم يكن موجودا في فقه الشيعة الإمامية، ويرى بعض الفقهاء أنها تشكل أساسًا مخالفًا لأصول الفكر الشيعي الاثني عشري.

وقد طُرحت نظرية ولاية الفقيه “الخاصة المحدودة” قبل فترة ليست بالطويلة من قيام الإمام الخميني بإعادة طرحها وتطويرها والارتقاء بها إلى مرتبة “الولاية العامة المطلقة” في ستينات وسبعينات القرن الماضي؛ التي تعني في الواقع الإدارة الكاملة للإنسان والمجتمع من خلال تقلد الفقيه أو رجل الدين لزمام السلطة وممارسة الحكم بسلطات مطلقة، والتي تجعل منه نائبا للإمام المهدي المنتظر والحاكم المعين من قبل الله مع كامل صلاحية الولاية على الشعب، ويرى الإمام الخميني أن ولاية الفقهاء المطلقة هي الولاية ذاتها التي أعطاها الله إلى نبيه الكريم وإلى الأئمة المعصومين.

إن كثيرين، حتى من كبار علماء وفقهاء الشيعة في إيران نفسها، لا يؤمنون بهذه النظرية ويطالبون بمراجعتها، وكان من أبرزهم آية الله محمد كاظم شريعتمداري الذي كان أول من جهر بمعارضته لولاية الفقيه، وتمت محاكمته وإقصاؤه وحرق مكتبته، إلى جانب آية الله حسين منتظري الذي كان نائبًا للإمام الخميني ومرشحًا لخلافته ثم اعتقل ومات وهو قيد الإقامة الجبرية، وآية الله محمود أبو الحسن الطالقاني الذي مات في ظروف غامضة بعد أن أعلن اعتراضه على النظرية، وآية الله محمد مهدي الشيرازي (مؤسس جماعة أو فرقة الشيرازية) الذي كان يؤمن بنظرية “شورى الفقهاء” ففرضت عليه الإقامة الجبرية.

أما بالنسبة للشيعة العرب، فإن هذه النظرية لم تكن مقبولة لدى نخبهم الدينية، وإن غالبية الشيعة العرب وغالبية كبار علمائهم وفقهائهم ومراجعهم لا يتقبلونها، ولم تستجب مرجعية النجف لفكرة ولاية الفقيه كنظام للحكم عندما أطلقها الإمام الخميني في ستينات وسبعينات القرن الماضي، ومن النجف عارضها منذ البداية المرجع الديني آية الله أبوالقاسم الخوئي الذي دعا إلى “الانتظار” وعزل السياسة المباشرة عن الدين، وبعد الخوئي استمرت مرجعية النجف في رفضها لهذه النظرية مع تعاقب المراجع، مرورًا بالمرجع محسن الحكيم وصولًا إلى المرجع الحالي آية الله علي السيستاني.

وإلى جانب مرجعية النجف وعلماء العراق فإن من بين أبرز العلماء في الوسط الشيعي العربي الذين عارضوا واعترضوا على نظرية ولاية الفقيه المرجع الشيعي اللبناني محمد حسين فضل الله، والعلامة اللبناني محمد مهدي شمس الدين الذي كان يدعو إلى “ولاية الأمة على نفسها”، والسيد موسى الصدر وغيرهم.

ومع أن نظرية ولاية الفقيه نجحت في تكوين جيوب صغيرة لها في بعض المواضع في العالم العربي، إلا أنها لم تنجح في الولوج إلى محيط المجتمع الشيعي العربي بقدر محسوس ملموس، أو أن تغير هوية مرجعية النجف أو تخترق جدرانها، أو أن تصبح مسارًا فقهيًا في حوزتها العلمية، أو أن تتمكن من التأثير على المزاج الشيعي العربي أو تتناغم معه بعد أن لمس وشَمَّ فيها رائحة أو نَفَسا إمبراطوريا رومانيا أو فارسيا كان يسبغ على الملوك أو الحكام صفات إلهية مقدسة، بينما نجد أن عمق الموروث العربي يستمد جذوره عادة من نظام الحكم العائلي أو القبلي.

وقد يكون الوعي الشيعي العربي قد أدرك خطورة هذه النظرية وإمكان استخدامها كأداة أو خطوة لسحب بساط المرجعية الشيعية الكبرى من النجف إلى قم، أو لزعزعة وخلخلة اندماج الشيعة العرب في مجتمعاتهم العربية وولائهم لأوطانهم، أو لتعطيل جهود التحول نحو الديمقراطية للتناقض الواضح بينها وبين القيم والمبادئ الديمقراطية، أو لإجهاض محاولات التعايش بين الإسلام ومفاهيم العصر الحديث.

وسأختم هذه الوقفة عند اتصال تلقيته من أحد القراء قال فيه “أرجوكم وأنصحكم عندما تتحدثون عن النظام الحاكم في إيران أن توضحوا أنكم لا تعنون الشعب الإيراني الصديق، فهذا الشعب يئن الآن بكل حرقة وألم، وهو يعاني من الظلم والاستبداد والفقر والبطالة، ويرى خيراته وثرواته تبدد وتنفق في مغامرات لا طائل منها، والشعب الإيراني شعب يتمتع بحضارة ضاربة في الأعماق سبقت الحضارة العربية والإسلامية بقرون عدة ولهم ثقافتهم المتميزة التي يجب أن نحترمها دون أن ننكر بأن ما يربط الشيعة العرب بأوطانهم ومجتمعاتهم أصلب وأقوى بكثير مما يربطهم بجيرانهم الإيرانيين، فالتآلف والتآخي، والترابط اللغوي، والوشائج القومية والوطنية، والسمات الحضارية والثقافية التي تربط الشيعة العرب بأوطانهم ومجتمعاتهم العربية غير متوافرة أو متاحة في فضاء علاقاتهم مع جيرانهم الإيرانيين الأعزاء دون التقليل من شأن الأواصر الدينية والمذهبية وصِلات الجوار، بقدر ما هي غير واردة في إطار علاقتهم بالشيعة الباكستانيين على سبيل المثال.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية