العدد 4016
الأحد 13 أكتوبر 2019
“الخميلة” في ملاذ المحبَطين والطامِحين
الأحد 13 أكتوبر 2019

في مثل هذا الشهر قبل 67 عامًا صدر في البحرين العدد الأول من جريدة “الخميلة” كأول صحيفة متخصصة في الأدب والفن والثقافة تصدر في منطقة الخليج العربي، ولتحمل بين طياتها قصة رجل وأديب مبدع كان يبحث في ذلك الوقت عن فضاء أرحب للحرية ومساحة أوسع للحياة، فشد الرحال من أرض الرافدين الواسعة إلى جزيرة صغيرة الحجم كبيرة المقام، التي حباها الله برعايته وكرمه، ومنَّ عليها بشعب ودود مضياف وأرض كريمة معطاء كانت تنعم بالمياه العذبة والزراعة والصيد واللؤلؤ والتجارة وبـ “بحرين” أو قلبين من الإيمان والانفتاح، وصدر مفتوح للطامحين والباحثين عن مأوى آمن وحضن أدفأ، وعن مساحة أوسع في الحياة.

ففتحت قلبها وذراعيها للأشقاء الخليجيين وغيرهم من العرب، وشرَّعت أبوابها لطلاب الرزق من إيران على الضفة الشرقية من خليج العرب، وآوت اليهود النازحين عن أوطانهم، ورحبت بالمسيحيين، واستقبلت التجار الهنود من الهندوس والمسلمين وغيرهم، واحتضنت مختلف الأجناس والأعراق والأديان والثقافات.


الرجل الأديب المشار إليه هو عراقي مسيحي أرمني اسمه كارنيك جورج ميناسيان، سمعت عنه أول الأمر في بداية السبعينات من القرن الماضي من المرحوم محمود المردي فارس الصحافة البحرينية، ومن شيخها المرحوم إبراهيم حسن كمال، ومن عميدها المرحوم علي سيار الذي اختاره الله إلى جواره يوم الثلاثاء الماضي، لكنني لم أعر هذا الأمر أي اهتمام، ولم أدرك وقتها أهمية هذا الرجل بالنسبة إلى تراث التسامح والتعايش والانفتاح في البحرين وبالنسبة إلى تاريخ الصحافة فيها.


كان كارنيك ميناسيان مصورا فوتوغرافيا ناجحا يقيم في مدينة البصرة بالعراق، وكان قاصًا مبدعًا معروفًا، نُشر الكثير من قصصه في مجلات مرموقة ومزكاة ثقافيًا في العراق، وكان الأكثر جرأة وشجاعة ومغامرة من معاصريه من القصاصين العراقيين المعروفين.


وتوسعت شهرة كارنيك ككاتب قصصي متميز لتتخطى حدود العراق وتمتد إلى باقي أرجاء الوطن العربي، فنُشرت قصصه في مجلتي “الدنيا” الدمشقية و”الرسالة” المصرية بين الأعوام 1949-1953م.


ومن بين أعماله المتميزة قصة طويلة كتبها تحت عنوان “نورية” صدرت له دون تاريخ عن مطبعة “الرابطة” ببغداد،


هذه القصة هي السبب الرئيس الذي دفعه للرحيل عن العراق والتوجه إلى البحرين، وقد ذكر بنفسه دون إعطاء التفاصيل “أن ظروفًا خاصة كانت تحتم عليَّ ترك وطني الأول العراق” وذلك في افتتاحية العدد الأول من صحيفة “الخميلة”.


ولخص الناقد العراقي الدكتور شجاع العاني في كتابه “المرأة في القصة العراقية” السبب وراء مغادرة كارنيك جورج ميناسيان للعراق وتوجهه للبحرين في أن “أحمد” بطل قصة نورية كان “يحجم عن الزواج في انتظار الحصول على امرأة مثقفة تقرأ وتطالع الكتب كما تفعل الأوربيات”، ألا أن والديه كانا يلحان عليه بالزواج من نورية، وهي طالبة بالكاد أنهت دراستها الابتدائية، “وما يلبث أحمد أن يشعر بالوهن والضعف بعد ثلاثة أشهر من زواجه منها، ويصف كارنيك نورية بأنها منهومة لا تشبع ولا ترتوي”، فيصاب أحمد بحالة نفسية وينصرف إلى معاقرة الخمرة وارتياد الملاهي ليعود ليلة ليجد نورية في أحضان رجل آخر.


غادر كارنيك جورج البصرة واتجه إلى البحرين، بعد أن تعرض للتشهير والمحاكمة لنشره هذه القصة والتهديد بالقتل من قبل أقارب نورية الحقيقية، الذين تنادوا لإيذائه بسبب الفضيحة التي طالتهم، وهذه الرواية على ذمة راويها الدكتور شجاع العاني، الذي يضيف: “أن متابعة واعية لصحف البصرة أيامها مثل صحيفة الناس، وصحيفة الثغر تكشف عن جوانب من المحاكمة والتهديد”، وهما أمران تعرض لهما كارنيك دون أن يفصح عنهما في افتتاحية العدد الأول من “الخميلة”.


الشيء الأهم في هذا الموضوع هو أن كارنيك جورج عندما قدم للبحرين في العام 1952م التحق بالعمل في مؤسسة ابن عمه المقاول لبضعة أشهر فقط، ثم حصل على موافقة حكومة البحرين لإصدار جريدة أسبوعية باسم “الخميلة”، والتي صدر العدد الأول منها في 29 أكتوبر 1952 كأول صحيفة ثقافية تصدر في الخليج العربي، وقد ورد في ترويستها أنها جريدة أدبية جامعة، صاحبها ورئيس تحريرها كارنيك جورج ميناسيان وسعرها 6 آنات.


ويروي الزميل الكاتب خالد البسام في كتابه “رجال في جزيرة اللؤلؤ” السبب الحقيقي لنزوح كارنيك من العراق إلى البحرين، وهو البحث عن مساحة أوسع للحرية، وليس هروبًا أو خوفًا من انتقام أسرة نورية، فقد ذكر خالد البسام أنه بالرغم من النجاح الذي أصبح يلاقيه جورج ميناسيان في عالم الأدب في وطنه العراق، إلا أن طموحه الذي راح يكبر يبدأ في إحداث نوع من الإحباط لديه.


ففي بداية العام 1925م يجد كارنيك، كما يروي خالد البسام، أن الصحف التي كان يمدها بكتاباته، في العراق وخارجها، كانت لا تفي بحاجته إلى النشر ولا بحاجته إلى المال، فالميدان يقول كارنيك “كان محدودًا لا أستطيع الانطلاق فيه أكثر، كما أن لكل صحيفة أسلوبًا أو عقيدة، يجب أن أسايرها أو أماشيها.. حتى الصحف الأدبية لها صفاتها الخاصة وعقيدتها الثابتة التي يجب على الكاتب أن يتصف بها إذا أراد الظهور على صفحاتها.. كما أن أغلب الصحف تمتاز بأساليب قديمة لا تتفق مع ميول الشباب الطامح إلى التجديد والابتكار”.


في البحرين وجد كارنيك ضالته وحقق طموحه وأصدر الصحيفة التي هو صاحبها ورئيس تحريرها، وكان فيها كما قال “الحر الطليق، لأكشف للناس أدب الشباب، وفن الشباب؛ لأننا في عصر الشباب! عصر التطور والتقدم والازدهار”.


كان وجود صحيفة “صوت البحرين” كمجلة شهرية أدبية اجتماعية تصدر منذ شهر أغسطس 1950 وما كانت تتمتع به من رواج وانتشار نسبي شكل أحد الحوافز والعوامل الإيجابية التي شجعت كارنيك لإصدار جريدته، حيث أكد ذلك توفر البيئة والتربة الصالحة لمشروعه الطموح، مع إدراكه، في الوقت نفسه، لما يمثله ذلك من منافسة وتحد، فقد كان يقف وراءها أعلام القلم وأعمدة الصحافة في البحرين وقتها، منهم مديرها المسؤول إبراهيم حسن كمال، وسكرتير التحرير محمود المردي، وقد ضمت أسرة التحرير كلا من عبدالعزيز الشملان، وحسن الجشي، وعلي التاجر، وعبدالرحمن الباكر وغيرهم.


وبعد شهر من صدورها اشتدت وتفاقمت المنافسة في وجه الخميلة عندما صدرت جريدة “القافلة” التي استقطبت أيضًا أقلاما لامعة في ذلك الوقت، وعلى رأسهم محمود المردي، وعلي سيار، ويوسف الشيراوي، وغيرهم.
إلا أن التحدي الأكبر الذي واجهته “الخميلة” كما واجهه العقل العربي برمته في تلك المرحلة، هو الانحراف والتغيير الكبيران في المناخ العام، وانسياق معظم القراء والمثقفين العرب وراء شعارات القومية والتحرر وموجة الحماسة لـ “ثورة يوليو” وخطب قائدها جمال عبدالناصر رحمه الله.

وكانت البحرين في صدارة ذلك التوجه، وفي مقدمة الصفوف اللاهثة وراء تلك الشعارات، فاضطر كارنيك دون قناعة إلى ركوب الموجة وزيادة المساحات المخصصة لأخبار الثورة والمقالات السياسية وانتصارات عبدالناصر، وذلك على حساب الفن والأدب والثقافة، وهي من أهم أسس تقدم الشعوب وتطورها، واستعان في ذلك بأقلام المرحومين يوسف زباري وعبدالله الوزان، ولكن دون جدوى، فقد كان المطلوب انحيازا تاما إلى المد الثوري الناصري، وتخل كامل عن أي قضايا مصيرية أخرى، وخنق أي صوت يحاول أن يعلو أو يرتفع فوق “صوت المعركة”.


حاول كارنيك جورج ميناسيان أن يقاوم التيار الجارف ودافع عن هوية وتوجه جريدته ذاكرًا في أحد أعدادها ومذكرًا أنها: “منبر حر للآراء الحرة التي تريد أن تبني لا أن تهدم”، لكن دون جدوى، مما اضطره إلى دفنها ومواراتها التراب في العام 1956 بعد أن أصدر المجتمع البحريني وقتها الحكم بالموت عليها؛ لأنها “لم تحدد موقفا واضحا من ثورة يوليو، ولم تعلن تأييدها صراحة للثورة وزعمائها، كما أنها تفضل الأدب والفن على مهاجمة الاستعمار ونشر أخبار ثورة يوليو”.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية