العدد 4016
الأحد 13 أكتوبر 2019
بعض الحكايا 2: الفجور
الأحد 13 أكتوبر 2019

اشتعل النزاع بين أبناء العمومة.. كان الصراع شديد الضراوة إلى حد أن حكماء البلدة أصابهم الذعر والخوف والهلع مما ألم بهم.. لكن أسوأ مراحل ذلك الهلع هو أن يتناحر أهل القرابة والدم وتسيل الدماء بينهم.. والأشد، وما يضاعف الهلع أكثر وأكثر، أن هناك من وجد فرصةً للانتقام وتصفية حسابات قديمة لا يمكن أن تبلغ مداها إلا بالقتال.. أو القتال، لا وسط بين المنزلتين.


لم يجد الحكماء وأهل الرأي من سبيل إلى إقناع أطراف رؤوس الخلاف، فكل طرف يرفع حرابه وحراب من معه تعبيرًا عن الاستعداد للقتال، إلا أنه مع مرور الوقت هدأت النفوس قليلًا وإن بقيت حراب الكلمات وأسنة الاتهامات وقذائف التهديد والويل والثبور تظهر بين حين وحين..


مضى حين من الزمن، والنيران لا تزال مشتعلة وشديدة الأوار.. تخبو وتعود من جديد في وهج مخيف.. ما السبب في ذلك، ولماذا يا ترى؟ قال أحد الحكماء “هناك من ينفخ في تلك النار.. إي والله، إن تمكنا من إغلاق تلك الأفواه التي تضاعف أوار الجمر ترفع ألسنة اللهب، سنتمكن من العبور بسلام وينتهي هذا الخلاف”.. كلام الحكيم كان مجرد كلام يجيء ويروح كما هو حال غيره من أهل الرأي.


الخطير، بل والمرير، هي تلك الصورة من الفجور.. فجور لا تعرفه تلك البلدة ولم تتوارثه عن أسلافها.. بدأت الأفواه التي تنفخ في النار.. تنفخ أيضًا في الأعراض، فتهتك بيوت الناس.. وتهتك أسرار البيوت وتثير الضغائن وتشحن الصدور بالقبيح من القول الذي لم يقتصر على هذا الجد وذاك العم.. بل وصل إلى حد انتهاك أعراض الأمهات والزوجات والكريمات وربما زاد نافخ النار عن حده فوصل إلى حد قذف الجدات في قبورهن.


اجتمع أهل الحكمة ذات ليلة على بصيص ضوء وقال كبيرهم “سيعود أبناء العمومة إلى بعضهم متماسكين.. لكن ما نحتاجه الآن، هو إسكات أصوات الفجور وأهل الفجور.. عيب علينا أن نترك أولئك الذين يقودهم الشيطان الرجيم، يفجرون وينقمون وينتقمون فيصيبنا البلاء بسببهم.. فلم نعهد في إرثنا مثل هذا الفاجر القبيح، أو ذلك الناعق الرخيص وهو يفترس حتى الأعراض”.. كلام الحكيم كان واضحًا.. لكن القصة لم تنتهِ.. ولا يزال أهل الفجور يفْجرون في الخصومة.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية