العدد 4016
الأحد 13 أكتوبر 2019
الاقتصاد البحريني في ضوء المتغيرات العالمية
الأحد 13 أكتوبر 2019

شهد الاقتصاد العالمي العديد من المتغيرات الجذرية والمتسارعة، وذلك منذ انتهاء الحرب الباردة مع سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي في 1991، حيث أسفر ذلك عن هيمنة كبرى للاقتصاد الحر وتحقيق سياسات العولمة نفوذًا كبيرًا على معظم دول العالم.


وسرعان ما واجهت هذه الهيمنة التي استمرت على مدى عقود تراجعًا واضحًا من بعد الأزمة المالية العالمية التي عصفت بالاقتصاد العالمي في 2008 و2009 وامتدت آثارها بشكل أكبر في السنوات القليلة الماضية، وذلك مع تصاعد التوجهات السياسية القومية لدى العديد من الدول التي لطالما عرفت بكونها مناصرة بشكل مستمر للاقتصاد الحر والانفتاح.


وإن كنت أرى أن مثل هذا التحول يحتاج إلى نقاش مطول قد لا يكون هنا مكانه المناسب إلا أنه يمكننا أن نوجز ونشير إلى أن آخر حلقات هذا التحول برزت جليًا مع نشوب الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية الصين الشعبية، والتي نتجت عنها حالة من عدم اليقين ألقت بظلالها على المستثمرين في أسواق رأس المال العالمية، كما زادت من ضبابية الرؤية في آفاق مستقبل النمو الاقتصادي العالمي.


ونتيجة لما ذكرناه من تحول قام صندوق النقد الدولي بتخفيف توقعاته إزاء النمو في الناتج المحلي الإجمالي العالمي في العام 2019 ليهبط من 3.7 % إلى 3.2 %، حيث إن هذه النظرة السلبية لا تختلف عن تلك التي تتبناها البنوك والمصارف المركزية الرئيسة لاسيما بنك الاحتياط الفدرالي، وعلى الرغم من النمو الاقتصادي الجيد لأكبر اقتصاد في العالم وانخفاض معدلات البطالة إلى نسبة 3.5 % التي تعد أدنى مستويات يصل لها هذا المؤشر في أكثر من 5 عقود، فقد قام بنك الاحتياط الفدرالي بتخفيض أسعار الفائدة على الدولار مرتين بمقدار 0.25 %، وهذا العام من نطاق 2.50/‏‏2.25 إلى 2.00/‏‏1.75 ومن المتوقع أيضا تخفيضها مرة أخرى في الربع الأخير من 2019.


ومما لا شك فيه كان لتغير المنظور العام للنمو الاقتصادي العالمي الأثر السلبي على أسعار النفط، فعلى الرغم من الأحداث الجيوسياسية التي أثرت على مستويات الإنتاج والعرض في هذا السوق، فقد أدى ذلك إلى انخفاض ملموس في أسعار نفط برنت من أكثر 71 دولارا في 2018 إلى أقل من 63 دولارا في العام الحالي.


وإن كان من شأن التراجع في معدلات النمو العالمي وانخفاض أسعار النفط أن يشكلا تحديًا بارزًا لاقتصاديات دول المنطقة بما في ذلك مملكة البحرين، إلا أنه ساهمت البرامج والمبادرات التنموية الحكومية إلى جانب الاستثمارات الخاصة التي تتطلع لها المملكة على المديين القصير والبعيد بصورة إيجابية في التخفيف من ثقل هذه العوامل الاقتصادية الخارجية وفي تدعيم عجلة النمو الاقتصادي وتعزيز مرونة الاقتصاد الوطني.


وأرى أن ما خطت به مملكة البحرين من خطوات وما اتخذته من خيارات استراتيجية على المدى البعيد من شأنه أن يقوي إمكانات الاقتصاد الوطني في مواجهة التحولات التي يمر بها الاقتصاد العالمي والتكيف معها، ولعل على رأس هذه الخطوات الشروع في تنمية وتطوير خمس قطاعات اقتصادية واعدة ذات ميزة تنافسية وهي قطاعات الخدمات المالية والسياحة وتكنولوجيا معلومات الاتصال والخدمات اللوجستية والتصنيع، وهي القطاعات التي تقع ضمن الخطة الاستراتيجية لمجلس التنمية الاقتصادية والتي يسعى إلى استقطاب الاستثمارات المباشرة إليها لخلق فرص العمل في سوق المحلية، إلى جانب مواصلة دعم وتطوير بيئة الأعمال وزيادة جاذبيتها التنافسية.


وإن كانت هنالك قابلية لمراجعة الاستراتيجيات والخطط من وقت إلى آخر وهو ما يعد ضرورة لمواكبة التغييرات القائمة، إلا أنني أرى أن وجود عاملي التركيز والتصميم في تطوير القطاعات الاقتصادية المذكورة ما لم تتغير المعطيات على أرض الواقع هو خيار استراتيجي ضروري لابد من التمسك به؛ كونه يتيح الرؤية الواضحة لجميع الأفراد تجاه الاقتصاد كما أنه يساهم في تعزيز الثقة في جدوى وفعالية النهج الذي تتبعه المملكة.


ومن وجهة نظري فإنني أجد أن وجود الكادر الوطني المدرب المتميز بطموحه يعتبر من أهم مقومات الاقتصاد الوطني وبيئة الأعمال التي تميز المملكة بها والتي يجب المحافظة عليها والاستمرار في تنميتها، كما أنه للاستفادة من جميع إمكاناتنا وقدراتنا وللوصول لهذه الغاية ينبغي علينا مواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة والمتطلبات المستقبلية عن طريق تطوير التعليم ومخرجاته في المملكة ولنا في هذا حديث آخر بإذن الله تعالى.


رئيس جمعية الاقتصاديين البحرينية
almoulani@hotmail.com

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية