العدد 3995
الأحد 22 سبتمبر 2019
الديمقراطية تتراجع في الغرب وتتألق في إسرائيل!
الأحد 22 سبتمبر 2019

بقرار من الأمم المتحدة وفي الخامس عشر من هذا الشهر في كل عام يحتفل العالم بـ “اليوم الدولي للديمقراطية”، والهدف من هذا الاحتفال هو إتاحة الفرصة لبني البشر لاستعراض حالة الديمقراطية في أوطانهم.

والديمقراطية حسب مفردات منظمة الأمم المتحدة هي نظام يوفر “البيئة الطبيعية اللازمة لحماية حقوق الإنسان وإعمالها على نحو يتسم بالكفاءة. وهذه القيم واردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما أنها مذكورة بالتفصيل في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يكرس مجموعة من حقوق الإنسان والحريات المدنية من شأنها أن تساند الديمقراطيات الهادفة”، ولاحظوا كلمة “الهادفة”.

وفي بداية هذا العام صدرت قوائم “مؤشر الديمقراطية في العالم لسنة 2018” التي وضعت 16 من بين 20 دولة عربية، بما فيها دول مجلس التعاون كلها، في قاع هذه القوائم، وصنفتها على أنها دول غير ديمقراطية وأنها “شمولية وسلطوية”، في حين، بل والأدهى والأمَرُّ  هو أن إسرائيل، الدولة القمعية الموغلة في انتهاك الحريات وحقوق الإنسان، صُنفت على أنها دولة ديمقراطية حلت الأولى بلا منازع في منطقة الشرق الأوسط وبواقع 30 ضمن الترتيب العالمي من بين 167 دولة رصدها المؤشر، متقدمة بذلك على دول مثل بلجيكا وإيطاليا والهند، مع العلم أن الجيش الإسرائيلي قتل في العام نفسه (2018) ما مجموعه 295 فلسطينيًا أعزل ممن يبحثون عن أدنى مستويات الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وأُصيبَ أكثر من 29 ألف فلسطيني آخرين بجروح خلال الفترة نفسها، كما هدمت السلطات الإسرائيلية أو صادرت في العام نفسه 459 مبنًى يعود للفلسطينيين في جميع أنحاء الضفة الغربية، وواصلت إسرائيل حصارها البري والبحري والجوي الذي تفرضه على قطاع غزة بحجة المخاوف الأمنية، وجرى تحديد نحو 1.3 مليون من الفلسطينيين في قطاع غزة، أو 68 % من سكانه، على أنهم يعانون من انعدام الأمن الغذائي في العام 2018، وهو العام الذي صُنفت فيه إسرائيل على أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط!

من ناحية أخرى، وفي الدول الغربية أساسًا وعلى مستوى العالم بأسره بدأت الديمقراطية، بمفهومها أو بنسختها الغربية، تفقد بريقها وجاذبيتها وتتراجع أمام صراع قوى المجتمعات وتحت ضربات الموجات الشعبوية والوطنية اليمينية المتطرفة والعصبيات القومية والدينية.

وإذا كانت الديمقراطية في الغرب نظريًا ومثاليًا تعني ذلك المفهوم القائم على ضمان الحريات السياسية والمدنية، ونظام حكم يحترم التعددية وتداول السلطة سلميًا، ويحقق العدل والمساواة بين الجميع، وإذا كانت من أهم مقوماتها الانفتاح والتسامح الديني والثقافي، فإن الديمقراطية في الغرب تبدو الآن عارية وعاجزة عن صون وتحقيق جوهرها، وغير قادرة على مواجهة المستجدات والتحديات التي أصبحت تحاصرها.

ثلاثة عناصر أو تحديات أساسية هددت الديمقراطية في الغرب وحاصرتها، أولها العولمة التي أدت إلى إثارة خوف المجتمعات الغربية من الذوبان، وأدت إلى تراجع الطبقة الوسطى فيها، وهي القاعدة والركيزة الأساسية للنظام الديمقراطي، إلى جانب الأزمات التي عصفت بهذه الدول كالأزمة المالية العالمية للعام 2008، وأزمات الديون والبطالة وغيرها، مثل هذه الأزمات والتطورات زعزعت وهزت بلا شك أركان هذه الدول، وأحدثت تصدعًا في أسس وقيم مجتمعاتها.

التحدي الثاني كان ولا يزال النزوح والهجرة إلى الغرب التي أدت إلى تغيير في ديموغرافية أو التركيبة السكانية لمجتمعات الدول الغربية، وإلى انتشار البطالة وإلى القلق والخوف من ضياع الهوية الوطنية والهوية العرقية والهوية العقائدية مما أدى بدوره إلى نمو ظاهرة الإسلاموفوبيا وارتفاع موجة معادات المهاجرين.

التحدي الثالث والأكبر والأخطر هو الإرهاب الذي أرعب وهدد المجتمعات الغربية، وخلق حالة من الهلع والخوف على الأرواح والممتلكات والمكتسبات.

هذه التحديات أنتجت الإحساس بالخوف وعدم الأمان في المجتمعات الغربية وأدت إلى نمو التيارات والحركات اليمينية المتطرفة، وكشفت عن عدم قدرة أو عجز النظام الديمقراطي وضعف فاعليته وكفاءته في مواجهة هذه التحديات والتصدي لها، فأصبحت الحاجة ملحة ومفروضة لتوفير الأمن والحماية للمجتمعات، والذي تطلب بدوره التضييق على الحقوق والحريات العامة وهي العمود الفقري للديمقراطية.

فصارت الدول الديمقراطية في الغرب وغيرها تجاهر وتسعى وتؤكد الحاجة إلى تعاظم دور الدولة الأمني ضمن قوانين تكبح حرية التعبير عن الرأي وتعطي الأجهزة الأمنية في الدولة الحق في الحصول على المعلومة وتضييق الحريات الشخصية عمومًا كالقوانين التي أقرت في أعقاب تفجيرات “11 سبتمبر” عندما تم تشريع مراقبة وتسجيل الاتصالات الشخصية والمعاملات الإلكترونية إلى جانب منع التسريبات الحكومية وملاحقة مصادر التقارير الإعلامية ومحاكمتها، ومتابعة المواقع الإلكترونية المعنية بنشر الوثائق السرية مثل موقع “ويكيليكس”، وازدياد القيود المفروضة على حرية النشر الإلكتروني من خلال حظر المواقع والمعلومات وملاحقة الناشرين ومعاقبتهم.

وأمام أعين حكومات الدول المتطورة والديمقراطية تنمو وتتسع الآن فيها تجارة وتوزيع برامج المراقبة الإلكترونية وتطبيقاتها حتى الصوتية منها، والتي يتم استخدامها في هذه الدول وتصديرها للخارج دون قيد أو شرط، ويتم في الغرب وفي الدول الديمقراطية الأخرى وغيرها رصد ومراقبة توجهات وميول المواطنين عمومًا باستخدام الخوارزميات الحاسوبية هدفها الظاهر أغراض اقتصادية وتجارية وفي الواقع أغراض استخباراتية وأمنية منها ملاحقة وتعقب الأفراد المراقبين أو المشكوك فيهم.

ولطالما تعرضت الدول العربية، ومنها الأنظمة والدول العربية في الخليج العربي لضغوط متزايدة وصلت أحيانًا إلى حد التهديد والابتزاز من قبل الدول الغربية ذاتها ومن قوى ومنظمات دولية تابعة لها كانت تحاول أن تدفعها أو بالأحرى أن تفرض عليها تبني النظام الديمقراطي بنسخته الغربية المتمحورة حول الحرية المطلقة التي لا حدود لها إلا عندما تصطدم بحرية الآخرين.

هذه الضغوط بدأت بالانحسار في الفترة الأخيرة، وقد كانت دولنا وأنظمتنا الحاكمة تعمل على مقاومتها والصد عنها، وفي أحسن الأحوال مجاراتها شكليًا أو الالتفاف حولها، وربما تكون معذورة أو محقة في ذلك، وبالأخص بعد أن أصبحت إسرائيل من نجوم الديمقراطية كما رأينا، وبعد أن بدأ النظام الديمقراطي في الغرب كما قلنا يفرز قيحه وصديده ويتراجع ويتم محاصرته في معاقله المحكمة وضربه في صميمه، وهي الحريات الشخصية وحرية التعبير التي تعتبر أعمدة المبادئ والقيم الديمقراطية.

وليس دفاعًا عن أنظمتنا الحاكمة إذا قلنا بأنها ليست وحدها مسؤولة عن تنكرنا وعدم تقبلنا للديمقراطية “الهادفة”، فنحن الذين وفرنا لها المسوغات التي تبرر ذلك، فأنظمتنا الحاكمة في كل الأحوال وفي حقيقة الأمر وفي نهاية المطاف إنما تستمد هذه المقاومة أو هذا الصد والممانعة من واقع مجتمعاتنا المتمترسة خلف ما صاغته وحاكته من موانع ومعوقات فكرية وتراثية مناوئة للديمقراطية.

فقد أسسنا وكرسنا في مجتمعاتنا العربية بيئة يسودها الاستقطاب واحتكار الحقيقة والعدوانية تجاه الاختلاف، بيئة مناهضة وطاردة للديمقراطية وذلك بتشبثنا وتمسكنا بثقافة التعصب وعدم التسامح والكراهية وعدم قبول الآخر والخوف منه وإقصائه، وهي خصائص تتنافى مع قيم ومبادئ التعددية والتنوع والحرية الدينية والفكرية التي تشكل في حد ذاتها جوهر الديمقراطية.

كما وأننا قد انحرفنا بديننا الحنيف، وجردناه من قِيَمه السامية الناصعة مثل التسامح والتعايش والأخوة والمحبة، وألبسناه ثوب التشدد والتعصب والكراهية، وحمَّلنا الإسلام وزر قراءتنا الخاطئة لنصوص تراثنا الديني، فأصبحنا لقرون طويلة نُخَطئ ونلعن ونكفر الآخرين بأعلى أصواتنا من يهود ونصارى وغيرهم، رغم أمره جلت قدرته: “وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”، ثم ضيقنا أو وسعنا الدائرة بلعن وتكفير بعضنا بعضًا، رغم قوله سبحانه وتعالى: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ” فكم قيل لنا إن السُنة كُفار وملعونون، وكم سمعنا أن الشيعة كُفار وملعونون، ولا يقر أي منا للآخر بالوجود، وكل منا يدعي احتكار الحقيقة وحصرها، بل عصرها في نفسه دون الآخر، إننا بذلك نخالف ونتحدى عن وعي وإدراك قوله سبحانه وتعالى “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين”.

والآن الكل يدرك أننا أصبحنا نقبع محصورين في قاع مأزق حضاري وسياسي بعد أن سقط سياسيًا شعار “الإسلام هو الحل”، ما يستوجب ويتطلب سرعة استنهاض همم المفكرين والمثقفين العرب؛ لبلورة رؤية وصيغة حضارية وسياسية مرتكزة على أسس الحداثة ومنبثقة من قيم ومبادئ الديمقراطية المسؤولة الهادفة.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية