العدد 3984
الأربعاء 11 سبتمبر 2019
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
أنا أشك... إذا أنا مُنهك!
الثلاثاء 10 سبتمبر 2019

قد تدل حالة الشك على التفكير؛ كما ذهب إلى ذلك الفيلسوف ديكارت، غير أنه التفكير المُتعِب، والذي لا يدل على وجودك بالمعنى الإيجابي - في المطلق- بل على المعنى النقيض؛ حيث التفكير المزعج، غير المريح، والذي تتقلقل فيه الروح، وتُحرم من استقرارها وسكينتها! الشك هو حالة من التفكير الذي يُخلخل الثوابت، ويدّك أعمدة اليقينيات والمعتقدات، وحين لا يصل المرء إلى نتيجة؛ بحيث يستبدل بشكه يقينًا؛ فإنه يظل في دوامة هذا الشك؛ تطحن فيه طحن الرحى، وتنهش في روحه التي تغدو في حالة تعليق دائم؛ لا هي رضيت بالموجود، ولا أوجدت غيره واستكانت أو استراحت!

كثيرون يعيشون - هذه الأيام - حالات من الشكوك: في المعتقد، في العُرف، في التقاليد، في بعض التوجهات، والنظريات المختلفة، وهي حالات ظاهرها الرحمة، غير أن باطنها يختزن عذابا روحيا شديدا؛ فهي - في المستوى الشكلي - تدل على إعمال الفكر، والمرونة، وعدم الانصياع للجامد القديم، أو الجاهز الذي يُشكل حصيلة فكر الآخرين، غير أنها قد تكون السبب في هلاك صاحبها - معنويًا - فهو من جهة في طريقه لشق عصا جماعته التي ينتمي إليها، ومن جهة أخرى عاجز بنفسه عن بلوغ الحقائق التي يبحث عنها! وهكذا يقوده شكه إلى ضياع كبير، وتيه بعد تيه، ليجد نفسه وسط سراب، وحالة عطش مستمرة!

والحقيقة أن في التسليم بأي شيء، وليكن المعتقد مثالا؛ سلامة للنفس والروح، وصكّ قبول بين الجماعة التي ينتمي إليها الواحد منا؛ فشعور الرفض مؤلم ومُوجع، ويعني فيما يعني قطع الجذور، أو بتر العلاقة بهذه الجماعة، ومن ثم؛ الدخول في حالة الاغتراب، أو النفي والإبعاد، وعيش الوحدة، والفراغ الروحي، وهذا ما يقتل أي آدمي؛ بوصفه كائنا اجتماعيا، ينمو ويترعرع ويسمو ويتقدم وسط جماعته، لا خارجها!

وفي الواقع؛ إن أكثر (الشكاكين)؛ يدركون جيدا هذه الحقيقة، لذلك؛ فإنهم يتسترون على حالات شكوكهم، ويحتفظون بها لأنفسهم، فإذا أعلنوها؛ فلفئة قليلة جدا؛ ممن يثقون بها، أو لمن يُماثلهم في الحالة (الشكيّة)، وهو ما يعني العيش في قلق وخوف؛ خشية افتضاح أمر خروجهم عن سراط الجماعة وتقاليدها، والذي لا يقوون على تحمل أوزاره أو تبعاته!

في مجتمعاتنا، يندر وجود (الشكاكين) من ذوي الجرأة؛ من الذين يجاهرون بالرفض أو اهتزاز اليقينيات على الملأ، وإنْ وُجدوا؛ تراهم مذمومين، ملعونين، حتى لو كان شكهم صحيحا منطقيا أو عقليا أو قاد إلى نظرية تحمل حقائق معينة! (أنا أشك يا ديكارت تعني اليوم: أنا خارج الجماعة! وتفكيري - بعيدا عنهم - غير مرغوب فيه، وشكّي انزياح بعيد عن النص الجمعي، وانتهاء لوجودي وليس إثباتًا له)!.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية