العدد 3981
الأحد 08 سبتمبر 2019
إحياء ذكرى عاشوراء في البحرين... شهادة ورأي
الأحد 08 سبتمبر 2019

نقف هذه الوقفة اليوم في هذه المناسبة العزيزة علينا جميعًا، والمستقرة في قلوبنا ووجداننا؛ لنسلط الضوء على بعض الحقائق والمعلومات الموثقة التي تؤكد أنّ الشيعة في البحرين كانوا، وما يزالون، يتمتعون بحرية كاملة، ليست منقوصة، لتأدية وممارسة شعائرهم الدينية؛ وذلك بهدف توضيح بعض جوانب هذا الموضوع، والمساهمة المتواضعة في تعزيز الأخوة واللحمة والوحدة الوطنية، وترسيخ مكانة البحرين نموذجًا ومنارة للحرية الدينية والتعايش والتسامح.

إن أُمّ هذه الحقائق وأولها هي أن كل البحرينيين يعتزون ويفخرون عندما تُحيي بلادهم رسميًا في مثل هذه الأيام وفي كل عام وعلى مرّ السنين، ذكرى كارثة عاشوراء المفجعة، التي وقعت قبل نحو 1400 سنة، والتي استشهد فيها صفوة من آل بيت المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، وعلى رأسهم سبطه الإمام الحسين وعدد من أصحابه، والتي يحزن ويتألم لها كل المسلمين، وليس شيعتهم فقط كما يحاول البعض أن يدَّعي، فالمسلمون جميعًا ينظرون إلى ذلك الحدث المرير بكل الأسى واللوعة، ويعتبرونه صفحة سوداء في تاريخهم، حيث تجسدت فيه واحدة من أبشع صور القسوة والظلم والعنف في تاريخ الإنسانية.

ولعلَّ كثيرين لا يعلمون أن البحرين هي أكبر بلد في العالم كثافة بالنسبة لعدد المآتم والحسينيات مقارنة بمساحتها وعدد سكانها، إذ يبلغ عدد المسجلين وغير المسجلين منها 1500 مأتم، بحسب أكثر المصادر تحفظًا، شُيد الغالبية العظمى منها، وأكاد أن أقول وأجزم 90 % منها، بعد تولي أسرة آل خليفة الكرام الحكم في البلاد العام 1783م، وقد ذكر الكاتب والباحث البحريني عبدالله سيف في كتابه “المآتم في البحرين” الذي صدر في العام 1995م أنه يوجد ما يزيد على 3500 مأتم في البحرين.

ويوجد في البحرين كذلك أكثر من 750 مسجدًا للشيعة مقارنة بـ 596 مسجدًا للسنة، بحسب سجلات إدارتي الأوقاف السنية والجعفرية.

والبحرين هي الدولة الوحيدة في العالم العربي التي تمنح يومي التاسع والعاشر من محرم من كل عام عطلة رسمية للعاملين كافة، البحرينيين منهم والأجانب، والمسلمين وغيرهم، في القطاعين العام والخاص، وفي باقي مرافق الخدمات الأخرى، فتُغلق الوزارات والدوائر وكل المؤسسات والمحلات والمصارف والمصانع والأسواق، وتتوقف الحركة التجارية وعجلة الإنتاج.

وحتى في العراق البلد الذي وقعت فيه الكارثة، ويرقد فيه شهداء المعركة، ويزور عتباته المقدسة الملايين من الشيعة كل عام، وتحكمه الآن حكومة شيعية، فإنّ الدولة العراقية تمنح يوما واحدا فقط، وهو يوم العاشر من محرم عطلة رسمية.

وعلى الرغم من كثافة الوجود الشيعي في لبنان وسيطرة حزب الله الشيعي على كل المفاصل فيها، إلا أن الدولة اللبنانية تمنح يوم العاشر من محرم فقط عطلة رسمية، مع أنها تمنح عطلا رسمية كثيرة لمناسبات دينية لباقي الأديان والطوائف، مثل عطلة عيد ميلاد السيد المسيح عند الطوائف الأرمنية والأرثوذكسية، وعطلة أخرى لعيد ميلاد السيد المسيح عند الطوائف الكاثوليكية، وعطلة عيد مار مارون، وعطلة عيد البشارة، وعطلة عيد انتقال السيدة العذراء، وعطلة جمعة الأم عند الطوائف الكاثوليكية، وعطلة أخرى لجمعة الأم عند الطوائف الأرمنية والأرثوذكسية، وعطلة عيد القيامة وغيرها.

وعلى مستوى الدول الإسلامية قاطبة والعالم بأسره، فإنّ البحرين تبرز في هذا الشأن كدولة لا تماثلها أو تجاريها إلا إيران التي تمنح عطلة رسمية في موسم عاشوراء مدتها يومين، ولعل مرد ذلك هي المقتضيات التي يفرضها دستورها الذي تنص المادة 12 منه على أن “الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثني عشري، وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلة للتغيير”.

نعم يفتخر البحرينيون ويعتزون بتخليد بلادهم لذكرى عاشوراء ويعتبرون ذلك ظاهرة إيجابية ناصعة وانعكاسًا ساطعًا لالتزام المجتمع البحريني برمته بقيم التعايش والتسامح وقبول الآخر.

وفي العهد الزاهر لآل خليفة، الذين تنتمي أسرتهم إلى المذهب المالكي الكريم، فإن الدولة كانت وما تزال ترعى وتحتضن مناسبة عاشوراء وتُوجه مؤسساتها المعنية لتقديم أفضل خدماتها للمشاركين في تأدية شعائرها، فيتم تجنيد قوى الأمن لتنظيم الحركة المرورية وتوفير الحراسة الأمنية، وتباشر البلديات تكثيف عمليات التنظيف في المناطق التي تقام فيها هذه الشعائر، وتحرص وزارة الصحة على تقديم الخدمات الطبية ووضع إمكانات وخدمات الطوارئ تحت أهبة الاستعداد، بما في ذلك الأطقم الطبية وسيارات الإسعاف، وتُوضع فرق الإطفاء في حالة استنفار؛ لمواجهة أي طارئ وغيرها من أوجه العناية والرعاية والاهتمام.

ومن المآتم وخلال أيام وليالي عاشوراء تنطلق المسيرات ومواكب العزاء إلى الطرقات والشوارع الرئيسة بكل حرية، وحسب ما يختاره ويقرره منظموها دون أي اعتراض أو تدخل من الدولة، بل إنّ أجهزتها المعنية تتكفل بتسهيل هذه العملية، ولا أحد من البحرينيين أو المقيمين يبدي أي وجه من أوجه التذمر أو الاستياء؛ لما قد يسببه ذلك من عرقلة وإرباك للحركة المرورية وتعطيل لمصالح الآخرين.

وقبل أن تبدأ محاولات تسييس هذه المناسبة، خصوصا بعد قيام الثورة الإيرانية في العام 1979 فقد كان عدد كبير من الأشقاء من أتباع مذهب أهل السنة والجماعة (السنة) يأتون لمشاهدة المسيرات والمواكب ويشاركون دون حرج أو حساسية في هذه المناسبة ويدخلون المآتم ويحضرون مجالس العزاء.

وفي خمسينات وستينات القرن الماضي، كنا كصبية نرى عددا من كبار أفراد الأسرة الحاكمة يأتون إلى المآتم للتعبير عن تقديرهم ومواساتهم، وعلمت بعد ذلك بسنوات طويلة، عندما سمعتها مباشرة ولمرات عدة من فم صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر، إذ يقول ويؤكد أن والده المغفور له بإذن الله تعالى صاحب العظمة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، عندما كان حاكمًا للبلاد كان يحضه ويحض إخوته على الحرص على حضور المناسبة للتعبير عن مشاركتهم ومواساتهم. ولم أكن قادرًا وقتها على معرفة أو تحديد أو تمييز الوجوه، لكنني رأيت بأم عيني في المنامة وأنا صبي صغير نفرا من “الشيوخ” يرتدون ملابس مميزة ويقفون بالقرب من البيت القديم للمرحوم حسين يتيم، وبالتحديد عند تقاطع طريقين بين زوايا ما كانت تسمى سابقًا “أرض الباخشة” أو مدرسة الزهراء لاحقًا، ومدرسة العجم، ومحطة إطفاء الحريق، إذا لم تخني الذاكرة، كان يقال لنا إنهم - أي الشيوخ - جاؤوا للمشاركة ومشاهدة مواكب العزاء.

وفي أحد الأيام في عاشوراء لم نتمكن من عبور الشارع المقابل لمأتم القصاب بسهولة، وقيل لنا إنّ أبناء الحاكم جاؤوا للمشاركة وكانوا جالسين داخل المأتم برفقة المرحوم السيد محمود العلوي الذي كان من كبار المسؤولين في الدولة وقتها ومن وجهاء الشيعة في البلاد.

يذكر ويكرر صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، أمام زوار مجلسه العامر، أنه كان يرى في ريعان شبابه بعض رؤساء المآتم يفدون إلى بيت والده الحاكم المغفور له الشيخ سلمان في القضيبية في بداية شهر محرم من كل عام ليشكروه على اهتمامه ورعايته، ويطلبوا منه كعادة كل عام تزويدهم وإعارتهم القدور الكبيرة لطبخ الولائم للمعزين وعددا من الخيول لاستخدامها في مواكب العزاء، وعددا من السيوف لاستخدامها لتزيين الخيول ولأداء عادة “التطبير”، فكان (رحمه الله) يوفر لهم كل احتياجاتهم وكل ما يطلبونه، بما في ذلك السيوف التي كانت وما تزال تستخدم في مواكب العزاء لأداء “التطبير” أو “ضرب القامة”، وهي عادة يمارسها عدد قليل من المشاركين في مواسم العزاء يتم من خلالها ضرب وجرح الرؤوس والجباه بالسيوف لإسالة الدماء تعبيرًا، من وجهة نظرهم، عن مواساتهم لما أصاب الإمام الحسين من أذى قبل ما يزيد على 1400 عام، وذلك على الرغم من الجدل الذي كان ولا يزال يدور بين فقهاء وعلماء الشيعة بشأن تحريم وعدم جواز ممارسة هذه العادة، فقد كان وما يزال حكام البحرين يتجنبون التدخل في مثل هذا الاختلاف أو الجدل؛ تقديرًا واحترامًا منهم لحرية كل فرد لممارسة شعائره وطقوسه الدينية حسب اعتقاده وقناعته ما دام لا يؤدي ذلك إلى التعدي على حريات الآخرين وحقوقهم أو الإضرار أو المساس بمعتقداتهم أو مقدساتهم أو رموزهم، وما يزال صاحب الجلالة الملك المفدى حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه سائرًا على هذا النهج وملتزمًا بذات القيم والمبادئ التي سنها وأرساها آباؤه وأجداده، فجلالته وصاحب السمو رئيس مجلس الوزراء يحرصان كل عام على الاجتماع برؤساء المآتم والمعنيين بشؤون المواكب الحسينية للاستفسار عن احتياجاتهم ومتطلباتهم ومن ثم إصدار أوامرهما للجهات المعنية لتوفيرها، كما يحرصان في هذه الاجتماعات على تأكيد قدسية ونقاء المناسبة وضرورة صونها من كل الشوائب والمنغصات.

وفي هذا السياق وجريًا على عادة جلالته فقد بدأ الديوان الملكي قبل بضعة أيام بتوزيع المنحة الملكية السنوية للجمعيات الخيرية والمآتم الحسينية عن طريق إدارتي الأوقاف السنية والجعفرية.

أستطيع أن أختم هذه الوقفة بالتأكيد مرة أخرى والشهادة أن قيادتنا الرشيدة تحرص كل الحرص على ممارسة الشيعة لشعائرهم الدينية بحرية كاملة، وأن ذلك قد أصبح وترسخ كأحد أهم أركان سياستها، وأن هناك إجماعا واتفاقا من الجميع على توافر الحرية الدينية لكل الطوائف والمذاهب والأديان في البحرين وعلى رأسها المذهب الشيعي.

حفظ الله البحرين وقيادتها وشعبها وأدام عليها نعمة الأمن والأمان في ظل وحدة وطنية وتعايش ومحبة واحترام متبادل بين مكونات وشرائح مجتمعها كافة.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية