العدد 3960
الأحد 18 أغسطس 2019
صنع في البحرين
الأحد 18 أغسطس 2019

قد تكون هي النخلة صاحبة الحسب والنسب والتاريخ، لكنه خليفة بن سلمان الذي أخرجها من رحم الذكريات، وجاء بها إلى مجلسه المهيب حاملاً معه زعفها الذي نصنع منه المناضد والكراسي وغيرها، ورطبها الذي تقوم عليه صناعات غذائية متنوعة وتُستخرج منه عشرات الأنواع من الحلوى والمقبلات والمشهيات والعصائر وخلافه.

ها هي نواة الصناعة في بلادنا وهي تتجلى أمام المسئولين والنخب وأبطال المبادرات، منها قامت صناعات، وازدهرت حرف، تعملقت منتجات، واشتهرت صادرات، ماء لقاح، مرقدوش، دبس التمر الذي فيه شفاء للناس، وغيرها الكثير المثير من المنتجات التي نشأت وترعرعت في بيوتنا، ومزارعنا، وحدائقنا العامة والخاصة وربما في شوارعنا وفرجاننا، وحوارينا الضيقة وأزقتنا الصغيرة.

وها نحن اليوم نستفيق من سُباتنا العميق بالتحديد في مجلس خليفة بن سلمان، نُعيد وضع الأمور في نصابها، والأسماء بحقائق أوصافها، فالأرض التي حملت وأنبتت وأنجبت رجالا أشداء هي ذاتها التي أزهرت ذلك الجمع الغفير من النخيل الصامد في وجه الزمن، وهو نفسه المبادر الخلاق الذي يكشف في كل طلةِ بهية لسموه كيف أن الأرض الخصبة لا تبور بالتقادم، وأن المحصول الوفي يتجلى بقامته العملاقة في أحلك الظروف وأشد المحن.

كل ذلك لم يكن متواريا خلف قضايا مُلحة ومشكلات عالقة، المحامون ومعاناتهم أمام محاكم التنفيذ، المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وضرورة كبح جماح الإجراءات الطويلة المعرقلة، والرسوم المستترة المُكبلة، ما الحاجة للتدقيق المحاسبي الخارجي على مؤسسات وجمعيات رؤوس أموالها متناهية في الصغر؟ هل آليات الانضباط يمكن أن تساوي بين المؤسسة العملاقة، وتلك التي تستطيع بالكاد سد الرمق؟ بالتأكيد هناك ضرورات تبيح المحظورات، وهناك محظورات لا ينبغي أن تعتدي على بعض الضرورات.

خليفة بن سلمان لا يرضى أبدا بألا يكون الفرز الدقيق بين ما نستطيع وما لا نستطيع غائبا عن منظومتنا الإدارية في الدولة الناهضة، وسموه حفظه الله ورعاه رغم مشاغله المتجددة ومسئولياته المتلاحقة يدرك أن الرؤى الشاملة لوطن ينمو، والنظرة الثاقبة لتحديات محدقة، والسلوك الانضباطي لمطالب عاجلة، يفرض ضرورة حتمية عنوانها الكبير:

ما لا يدرك كله لا يترك كله، لذا فإن العلاقات الحميمة بين سموه وبيننا، بين منظومته الوزارية القادرة وتفاصيل الدولة العميقة، دائما ما تتناغم وتتصافح مع قضايا التعليم والصحة والإسكان والمرافق العامة، بل مع هموم المواطن ومعاناة الفئات الأكثر عوزا وتضررا، جميعها لم تؤخر سمو رئيس الوزراء عن القيام بواجباته الإنسانية تجاهنا عندما عانق الحضور بنظراته الحانية، متحدثا معي عن سفرتي الأخيرة إلى لندن، مباركا لي على نيل الدكتوراه الفخرية في العلوم من واحدة من أهم الجامعات البريطانية هي “بروينل العريقة”.

في لحظة لا تنسى تحدثت فيها بعد أن سمح لي سموه بالكلام عن مدى الشوق المُنعم بالوصايا والسجايا والحسنات، وكيف أنني بصفة شخصية دائما ما احتاج للتشجيع والحنو من لدن سموه، بالتحفيز الذي يدفعنا إلى العطاء، والعطاء الذي ننهل منه، فنستقبل العلوم التي استقيناها من رحم الوطن بصدر ملؤه الإيمان، وعقل ديدنه الإصرار على التحصيل والإبداع.

إنها بلادنا التي يحملنا بحرها العميق، ويسترنا نخيلها العريق، إنها الإرادة القويمة التي زرعتها في نفوسنا يا صاحب السمو، ملحمة عطاء وانتماء، إباء وكبرياء، وحجر أساس في كل معقل وكل مضيق، هي ذلك المدى الذي يدفعني إلى أن أهدي إلى سموكم الكريم وإلى وطننا الغالي البحرين، كل نجاح نحققه، وكل إنجاز نتخطى به رمل الطريق.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية