العدد 3960
الأحد 18 أغسطس 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
الفِطام النفسي ...همنجواي مثالا (28)
الأحد 18 أغسطس 2019

عندما نتداعى من الداخل نظل متمسكين بالفطام العاطفي؛ خوفا من الضياع. مادمت في العالم العربي والإسلامي، فأنت بحاجة إلى رضاعة عاطفية واجتماعية وسياسية وحتى اقتصادية، وعلى جميع المستويات؛ لأن ثقافتنا تركز الارتباط القاتل. السياسي والجمهور يرفضون الفطام من بعض. الجماهير تبحث عن زعيم سياسي، ولو كان لا يمتلك مؤهلات الزعامة مادام سيغذيها بحليب الرضاعة، ولو كان مغشوشا أو بودرة مصنعة تسبب ضعف العظام. وأصبحت متلازمة “دون كيشوت” تتعملق فينا، وهي تصيب السياسي الذي تنتفخ فيه الأنوية لدرجة يجعل من ذاته مقياسا للحق والباطل، ويظل يحارب، ويتحدى العالم كما حارب دون كيشوت، وهو رجل أحمق ظن نفسه في مهمة مقدسة، وراح يواجه طواحين الهواء على أنها شياطين، والتي في نهاية المطاف ألقته أرضا.

فالأسطورة الإسبانية تقول إن كيشوت ظن نفسا فارسا عظيما، وهو الهزيل ذو الفرس الضعيف. إنها تعكس انتفاخ الوهم أمام عملقة سطوة الواقع. وهذه بعض أوهام الشيوعيين سابقا. إن التصحر العاطفي ينعكس على جميع المستويات، فالسياسيون يعانون تصحرا عاطفيا داخل الأسرة، فيعوضونه باللهث وراء الحنان الجماهير وغرامها، خصوصا إذا ما سبغت عليهم صفات الآلهة لإشباع الظمأ كمحاولة احتيال للالتفاف على النقص الداخلي. ويمكنك بسهولة اكتشاف الضعف الداخلي من خلال بعض الإشارات العابرة، ولغة الجسد، والتضخم في الصراخ، والثقة المفرطة. فالحاجة للعاطفة الملحة تعكس وجود هشاشة وانكسارا داخليا وانهيارا نفسيا لا يمكن علاجه إلا بالإشباع الذاتي من الذات لا الآخرين. هل تعتقدون شاوشيسكو كان إنسانا متوازنا؟ هل كان استالين أو عبدالكريم قاسم أصحاء من الناحية العقلية والنفسية؟ الإنسان الذي يلهث وراء حنان الآخر، أي آخر، ولو شيئا جامدا، ولو جدارا ولو كلبا أو قطة هو يعاني نقصا وتصحرا ويرفض الفطام العاطفي. والفوبيا من الفطام مآلها عذاب مستمر. يقول شكسبير: (لا تبالغ في حب الأشياء، ستؤذيك يوما ما.. ).

هناك حنان جماهيري، وحنان ديني، وحنان مالي... إلخ. وأكبر مشكلة هي أزمة التصحر العاطفي وخوف الفطام العاطفي. فمن تورط بحب مغشوش، لا يريد إجراء فحص شامل على مركبة هذا الحب؛ خوفا من اكتشاف مرارة الحقيقة، فهو يفضل النوم على مخدة الخديعة أفضل من شمس الحقيقة. كلنا جوعى، بعضنا جائع لإبراز ثرثرته في السوشل ميديا، وبعضنا يهرب من الواقع باحتضان رصيف في سفر، وآخر متعلق بمال. كي تسعد في الحياة لابد أن تفطم نفسك من كل شيء، خصوصا الفطام النفسي. أغلب العظماء الذين قرات سيرهم عانوا معاناة كبيرة، ولكن أغلبهم، بل الأكثر كان يكره الفطام من الحبيبة. لم أقتنع أن سبب الاكتئاب الكبير الذي كان يعيشه أسطورة الأدب الأمريكي همنجواي بسبب فقط ذكريات الحروب، حتى اكتشفت مؤخرا أن أغلب معاناته من تورطه بغرام فتاة في أيام الحرب العالمية الأولى، هذا الحب نقله من حياة الحروب إلى الرومانسية، وهنا كتب روايته الشهيرة (وداعا للسلاح). عاش معها شيئا من الذكريات في المستشفى، حيث كان مصابا إلا أنها علقت بقلبه، لكن القدر حال بينهما، فتزوجت من رجل ثري، وبقيت عالقة كمرض بقلبه. ظل يبحث عنها إلى أن وجدها في قصرها الباذخ. بعض الروايات تقول إنه هو الذي تسبب في مقتلها، ولا دليل.

لكن بقيت قصاصة كتبها في آخر يوم من عمره لها تعكس عدم الفطام : “لم أعد أحتمل.. إنها تلاحقني ليل نهار.. في عينيها الجميلتين نظرة عتابٍ مروعة!!.. لم تكن خائفةً مني!!.. كم كنت نذلًا!!.. لم أكن أقصد يا آجي!!.. أنتِ تعرفين أنني لم أكن أقصد!”. أنا ضد مثل هذا الحب. وضد ملاحقة الحب الهارب؛ لأنه لو كان حبا ما هرب، وظل يدافع عن نفسه. أكبر جريمة يقترفها الإنسان ضد نفسه عندما يبحث عن شي يكمله. لم يخلق الإنسان ناقصا لتبحث عن البدائل. اهجر الحب إذا هجرك. اهجر حتى المكان. الأسماك تهاجر. الطيور تهاجر. الهجرة ظاهرة شجع عليها الله. اهجر القلوب التي لم تقدرك.

هناك مقولة جميلة تقول: (الإنسانُ الذي يعتمدُ عَلى الآخرينَ في رَفع معنويّاته، يفقدُ نفسَه حين يفقدهم). اعتب على همنجواي الهرولة نحو العشيقة، واقتحام حياتها والإصرار عليها بأن ترجع له. هذا يعكس اضطرابا عاطفيا وعدم انفطام. أنا ضد ثقافة الحب الغبية التي تروج في المسلسلات والأفلام والقصائد. هي تكرس جلادا ساديا وضحية مازوخية. لا تتصل بمن لا يتصل. لا تعرض بضاعتك العاطفية فترخص. لا تتسول صدقات العاطفة ولا تنظر الوتساب كل دقيقة. هذه عبودية نفسية، ولا تقحم نفسك بحياتهم. بعض الحشرات، الذكر لا يقترب إلا إذا أعطته الأنثى إشارة موافقة، فما بالك إذا هربت. ما أجمل كلام محمود درويش الذي وجد في الحب مصيدة حينما قال “عندما تريدون الرحيل ارحلوا، لكن لا تعودوا أبدا .. كونوا للرحيل أوفياء لعلنا نكون أيضا لنسيانكم مخلصين”. لا تتمسكوا بالأشياء. فيكتور هوجو فقد حبيبته جولييت التي يعتبرها ترياقا لقتل الضجر، والتي كتب لها أكثر من عشرين ألف رسالة، وبادلته هي الأخرى بالحب، حيث قالت ذات يوم “أُقبّل قدميكَ العزيزتين الصغيرتين المزنّرتين بغبار النجوم”. فرجينا وولف فقدت حبيبها. وهمنجوي فقد عشيقته وهكذا هي الحياة. لا تتمسكوا بالأشياء كل شيء زائل. تحرروا من الفطام النفسي.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية