العدد 3953
الأحد 11 أغسطس 2019
العرب‭ ‬في‭ ‬الأندلس‭ ‬والعثمانيون‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬العرب
السبت 10 أغسطس 2019

خلال الأعوام الأخيرة أصبحت أتردد بانتظام على إسبانيا وبمعدل أربع زيارات في العام، وأتجول في جنوبها بين أقاليم الأندلس، حيث كان الحكم الإسلامي قد تركز عندما حكم العرب المسلمون تلك الديار لثمانمئة عام وجلبوا معهم دينًا وعقيدة وأسلوبا متميزا في الحكم والحياة، وشيدوا فيها حضارة فارهة وثقافة قوامها الانفتاح والوسطية والاعتدال، فازدهرت فيها المدن والحواضر العربية الأندلسية وخصوصا بعد أن وطد الحكم الأموي فيها صقر قريش عبدالرحمن الداخل.

وخلال زياراتي حرصت دائمًا على أن أتحدث مع الإسبانيين عن تلك الحقبة من تاريخهم. ومن الطبيعي أن يعتبر الإسبان تلك الفترة فترة احتلال لوطنهم فقدوا فيها سيادتهم على أراضيهم، لكن لم يعبر أحد منهم قط عن حنقه واستيائه أو عن إحساسه بالمرارة أو الكراهية والحقد تجاه العرب والمسلمين بسبب ذلك، بل أستطيع أن أقول بأن العكس هو الصحيح، وهم يدركون أيضًا أن العرب عندما حكموا إسبانيا لم يعاملوا أهلها بالقسوة والشدة التي هم عاملوا بها سكان الأراضي والبلدان التي استعمروها لاحقًا وحكموها في أميركا الجنوبية وغيرها، ولم يذكر أي فرد أو مصدر في إسبانيا أن حكم العرب المسلمين سبب لهم الفقر أو الانغلاق أو التخلف، بل على العكس من ذلك؛ وهذا ما دعاني ودفعني إلى المقارنة بين حكم العرب المسلمين لإسبانيا وحكم الأتراك العثمانيين لبلاد العرب.

ولاشك في أن هناك بعضا أو ربما الكثير من التجاوزات أو الممارسات المجحفة التي حدثت في حق سكان البلاد من جانب الحكام العرب، إلا أنها ظلت محدودة وفي إطار ما كانت تسمح به المعايير التي كانت سائدة في ذلك الوقت في مثل هذه الظروف وعند غزو البلدان واحتلالها، وبقيت هامشية وضئيلة إذا قورنت بالجوانب والإنجازات الإيجابية والحضارية التي حققها الحكام العرب لصالح إسبانيا وسكانها.

لقد خلّف العرب المسلمون في بلاد الأندلس إرثا حضاريا وثقافيًا مشعًا تمثل جزء منه في المنشآت العمرانية العظيمة التي شيدوها طوال فترة حكمهم من أبراج وقلاع وحصون منيعة، وقصور جميلة، ومساجد كبيرة، ودور علم كثيرة، وشوارع وأنظمة ري وزراعة وحدائق غطّت جميع أرجاء البلاد، وخصوصا في قرطبة وطليطلة وإشبيلية وغرناطة، والتي ظلت بعض صروحها قائمة إلى يومنا هذا، مثل قصر الحمراء وقصر جنة العريف في غرناطة، ومدينة الزهراء ومنارة إشبيليا وكاتدرائية مسجد قرطبة، وقنطرة قرطبة الأثرية الشهيرة وغيرها كثير، كلها ظلت إلى اليوم شواهد تنطق بالعظمة والقوة والوقار، وأصبحت الآن ثروة وطنية قيمة ومعالم باهرة تجذب السياح والزائرين من مختلف دول العالم وتدر البلايين من اليورات في الخزينة الإسبانية، وفي المقابل أين وما التركة المشابهة أو المعالم أو الإرث الحضاري والعلمي الذي خلفه حكم العثمانيين للدول والشعوب العربية؟

في عهد حكم العرب المسلمين للأندلس سميت، على سبيل المثال مدينة قرطبة، التي اشتهرت بثرائها وتطورها بـ “عروس المدائن وأم قرى الأندلس ودوحة الأدب ونبراس العلم بين الشرق والغرب”، وصارت إحدى أكبر وأهم مُدن العالم، ومركزًا حضاريًا وثقافيًا بارزًا في أوروبا وحوض البحر الأبيض المتوسط والعالم الإسلامي، فأي مدينة في العالم العربي في عهد الحكم العثماني يمكن مقارنتها بقرطبة؟

في عهد الحكم العثماني ماذا حدث لوضع دمشق عاصمة الأمويين؟ وبغداد عاصمة العباسيين؟ والقاهرة عاصمة الفاطميين؟ ماذا أضاف العثمانيون إلى هذه المدن؟ في الواقع إن هذه الحواضر فقدت بريقها وتألقها ورونقها الحضاري والعلمي عندما وقعت تحت سيطرة الحكم العثماني، وهل أسس العثمانيون مدنًا أو مدينة جديدة في العالم العربي؟ لقد حظيت مدينة إسطنبول بعناية واهتمام بالغين من قبل السلاطين العثمانيين أعظم وأكبر مما حظيت به مكة المكرمة والمدينة المنورة اللتان تُركتا دون الرعاية والعناية التي تستحقانها، والتي تليق بهما وبمكانتهما، إلى أن جاءتهما يد الإعمار والتطوير المبهرة عندما عادتا إلى حكم العرب من آل سعود.

ولم يكتف العرب بتطوير الأندلس عمرانيًا، بل حولوها إلى مصدر إشعاع وتنوير، فأصبحت في عهد الحكم العربي الإسلامي منارة للعلم والمعرفة، وعُرفت فترة حكم العرب المسلمين في إسبانيا بـ “العصر الذهبي للعلم”، إذ انتشرت فيها المدارس والجامعات والمكتبات ودور الترجمة والمعاهد العلمية وازدهر الأدب والشعر وفن العمارة والهندسة.

لقد هيأ الحكام العرب المسلمون في الأندلس الأجواء والظروف والإمكانات التي أدت إلى إثراء وازدهار العلم والفكر والفن، وتشجيع البحث والإبداع وأدت إلى نمو العلم والعلماء والمفكرين، فكان لعلماء ومفكري الأندلس المساهمات والإبداعات المميِّزة التي كان لها أثر مشهود في النهضة الأوربية، وظهر في الأندلس فلاسفة عظام ساهموا في الارتقاء بمستوى الفكر الإنساني مثل ابن باجة وابن طفيل وابن رشد الذي عده الأوروبيون أكبر ممثل لحرية الفكر في العصور الوسطى، وأنتجت الأندلس أبرز أعلام الفلسفة الصوفية عند المسلمين وهو ابن عربي، وأشهر الجراحين وهو أبو القاسم الزهراوي، واشتهر ابن البيطار بكتاب “المغني في الأدوية المفردة” وما يزال يُعرف في أوروبا بلقب “أبوعلم النبات”، وقد ألف أبوعبدالله محمد الإدريسي كتاب “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” الذي يعتبر أعظم عمل جغرافي عربي منظم في الجغرافيا، وعالم الفلك والرياضيات مسلمة المجريطي، وعالم الفلك الآخر ابن حزم الأندلسي الذي قال بكروية الأرض.

والقائمة طويلة لا يسع المجال لحصرها بمن فيهم شهيد البحث العلمي عباس بن فرناس، وعلماء فطاحل أمثال ابن خلدون، وجابر بن الأفلح، وصاعد بن عبدالرحمن، وإبراهيم السهلي، وابن الزرقالة، وأبوعبيد البكري، وابن زهر، وابن العوام، وابن الرومية، وحسن الرماح، وابن الحاج، والبرزالي، والقلصاوي وغيرهم، فأين هي قائمة العلماء والمفكرين العرب الذين أنتجهم العالم العربي عندما كان واقعًا تحت الحكم العثماني؟

وقد أصبحت الآثار العلمية والفلسفية والحضارية للعلماء والمفكرين العرب المسلمين في الأندلس تشكل أهم القواعد والمرتكزات والمنطلقات الفكرية لبناء حضارة عصر النهضة في أوروبا، بينما كل الشواهد والأدلة تؤكد أن العالم العربي كان قد شهد تكلسًا حضاريًا وعلميًا خلال حقبة الحكم العثماني التي دامت لأربعمئة عام، وأن العرب في تلك الفترة غرقوا في بحر من التخلف والجهل، كما أن المؤرخين والباحثين يؤكدون، بكل تجرد، أن تلك الفترة اتسمت بضيق في أفق الاهتمامات الفكرية في العالم العربي وتدهور حاد في الثقافة العربية عمومًا وفي الأدب خصوصًا، وتوقف عن الإنتاج الفلسفي والعلمي والرياضيات، ومَنعت الدولة العثمانية دخول الطابعة للأقطار العربية وبذلك حُرم العالم العربي من أهم أدوات بناء الحضارة الحديثة وانتشار المعرفة.

تحت الحكم العثماني أصبح العالم العربي خارج نطاق التاريخ علمياً وحضارياً وفكرياً، كما فرضت الدولة العثمانية على بلاد العرب عزلة كاملة عن العالم وتطوراته إلى درجة أن الحملة الفرنسية على مصر ومن بعدها الشام في العام 1798 أدت إلى إحداث صدمة حضارية، على أثرها استفاق العرب على واقع التخلف والجهل الذي يعيشون فيه.

لقد فتح العرب إسبانيا في العام 711م على يد والي الأمويين في إفريقيا موسى بن نصير والقائد طارق بن زياد، وظلت ولاية تابعة للدولة الأموية تدفع لها الخراج بانتظام حتى انهيارها على يد العباسيين، عندها انتقل حكم الأندلس إلى عبدالرحمن الداخل بعد 45 سنة من فتحها، فانفصلت الأندلس عن مركز الخلافة في بغداد وأصبحت منذ ذلك التاريخ دولة مستقلة تحتفظ بكافة مواردها وثرواتها وتنفقها في مختلف أوجه التنمية والتطوير، ولم يحاول الحكام العرب تجنيد الإسبان للقتال عنهم في حروب خارج ديارهم، وهو على عكس ما فعله العثمانيون في العالم العربي الذي عانى التبعية طوال أربعة قرون لمركز الإمبراطورية العثمانية التي استنزفت ثرواته وأرهقت أهله بالجبايات والضرائب العالية الباهظة وجندتهم للموت في حروبها التوسعية.

ونقل سليم الأول أمهر العمال وأرباب الحرف من مصر إلى اسطنبول ما سبب الخراب وانقراض أكثر من 50 حرفة وتوقف الصناعات التي اشتهرت بها مصر.

ولم يورث العثمانيون للعالم العربي سوى الضعف والتخلف والهوان والانكسار، ولم يحاولوا تطوير طاقاته وإمكاناته الذاتية، أو تهيئته أو توفير أي سبب من أسباب القوة والمنعة له لتمكنه من الدفاع عن نفسه مما جعله فريسة سهلة للاستعمار الأجنبي بعد انهيار تلك الإمبراطورية.

ويدرك أي طفل عربي وبكل بساطة أن لا أمل أو إمكانية حتى للتفكير أو الحلم باستعادة موقع العرب وحكمهم وسيطرتهم على إسبانيا أو بلاد الأندلس، فتلك أيام خلت وأجيال وأمجاد سادت ثم بادت ولا أمل في عودتها، إلا أن الأمر لا يبدو كذلك بالنسبة للعثمانيين الجدد الذين يحكمون تركيا الآن والذين يداعبون أنفسهم بأوهام محمومة ويحاولون يائسين استنهاض الامبراطورية العثمانية المقبورة، ويعتقدون بأن العالم العربي إرث شرعي لهم بعد أن لفظت إمبراطوريتهم أنفاسها الأخيرة، ويسعون على هذا الأساس إلى استعادة سيطرتهم وبسط نفوذهم على هذه المنطقة بدلًا من أن يحكموا عقولهم أو ضمائرهم، وأن يعترفوا ويقروا بتلك الحقائق المخجلة المؤلمة، وأن يعتذروا للعالم العربي ولشعوبه ويعوضونهم عما ارتكبوه واقترفوه في حقهم من جرائم وآثام مدمرة، فالأرمن مازالوا يطالبون الأتراك بصلابة وإصرار وبدعم من العديد من دول العالم والمنظمات والمؤسسات الدولية المعنية بالاعتذار والتعويض عن المذابح والمجازر والجرائم التي ارتكبوها بحقهم، وأن جرائم ومجازر الدولة العثمانية في العالم العربي لا تقل وحشية وقسوة عما حدث للأرمن، حدث ذلك في مصر والحجاز والشام وغيرها من بلاد العرب التي وقعت تحت حكمهم، ففي مصر على سبيل المثال وصف المؤرخ المصري محمد ابن إياس يوم دخول الأتراك العثمانيين مصر في شهر يناير 1517م بقيادة القائد العثماني سليم خان بـ “اليوم المشؤوم”، في كتابه “بدائع الزهور في وقائع الدهور”، وقال إنه “وقع في القاهرة المصيبة العظمى التي لم يسمع بمثلها فيما تقدم”، وذكر مشاهد وقصص مروعة تتسم بالوحشية والقسوة والظلم التي عاناها المصريون على يد الغزاة العثمانيين، حيث وصل الأمر إلى سقوط 10 آلاف من المصريين قتلى في يوم واحد، وأضاف ابن إياس: “إن ابن عثمان انتهك حرمة مصر وما خرج منها حتى غنم أموالها وقتل أبطالها ويتم أطفالها وأسر رجالها وبدد أحوالها”. ولا مجال لذكر ما وقع على أهل الحجاز ونجد والشام وغيرها من بلاد العرب، فسلامًا وتحية إلى العرب البكائين على زوال “الخلافة” العثمانية والمنادين بعودتها!

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية