العدد 3940
الإثنين 29 يوليو 2019
الرِّدة المعاصرة
الإثنين 29 يوليو 2019

في سبيلي للتخلص من عدد من الأوراق القديمة في مكتبي، قمت أتصفّح مجموعة من الأوراق التي سجّلت عليها ملاحظات مطلع هذا العام لجلسة عصف ذهني أقيمت في الكويت، واستلفتتني عبارة قالها الدكتور علي الزميع المتخصص في الحركات الإسلامية، تقول: “الخوف على الدين من الجمود وليس من التجدد”.

أخذتني هذه العبارة إلى عدد من المجتمعات العربية والإسلامية التي سيطر عليها، لأكثر من أربعين عاماً، عدد من الحركات الإسلامية مختلفة التوجهات والمعالجات لعلاقة الدين بالدولة والمجتمع والعالم ككل، وعلى الرغم من تباين هذه الحركات والتوجهات، إلا أن ما غلب على المشهد العام، تراجع الاعتدال والوسطية بشكل عام لصالح التشدد والمزيد من التزمّت والتضييق، حتى أن عدداً من التوجهات الوسطية سلمت الراية للرأي المتشدد ذي الصوت الأعلى.

جاءت هذه الحركات تحت عباءة ما أسمي بـ “الصحوة” الرامية لتجدّد الدين ليكون معاصراً ولكنها وقعت في جرّه إلى الماضوية حتى جعلت قطاعاً كبيراً من مشايخه عرضة للسخرية من غير الملتزمين دينياً، فهم يرددون أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وذلك بمعالجة الحوادث المعاصرة بالطريقة التي عالج بها السلف الصالح قضاياهم، عازلين جميع المؤثرات والمتغيرات التي حدثت في القرون الخمسة عشر الماضية، وشاع نوع من القوامة التي مارسها شيوخ الدين على حركات الناس وسكناتهم. فقد أدّت إلى السيطرة على كل تفصيل يومي من تفاصيل الحياة، إلى أن يشعر الكثير من الناس بخوف من أية حركة يؤتون بها لئلا يدخلوا النار، فانتعشت الاتصالات بالشيوخ ليسألهم الناس عن أي أمر يقومون، أو يودّون القيام به، حتى صاروا أسارى هذه الفتاوى التي تدلّهم على افعل ولا تفعل، وعطّل عدد كبير من الناس عقولهم مرددين: “ارمها في رقبة عالم... واطلع منها سالم”. فافعل ما يقوله لك، وربه يحاسبه!

لذا، ليس غريباً ما نشهده اليوم من رَدّة فعل تقترب أحياناً من الرِّدة حيث وصل حال بعض المجتمعات بأن يجاهر أفرادها بأنهم ينسلخون عن الدين، والأمر صار أشبه بالحظيرة التي فتحت أبوابها وما عاد هنالك مجال لإعادة الخيول إليها ثانية، فلقد فرّط “الصّاحون” في فرصة كبرى لبسط مبادئ دين أكثر عصرية، وأكثر تسامحاً بدلاً من احتكاره وتجميده.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية