العدد 3935
الأربعاء 24 يوليو 2019
عمود أكاديمي د. باقر النجار
أفول العصر الأميركي
الأربعاء 24 يوليو 2019

انشغل الكثير من الكتاب والمؤرخين الأوربيين والأميركيين بالتفكير ليس في مستقبل الهيمنة الولايات المتحدة الأميركية في العالم، وإنما في المستقبل السياسي لها كدولة، وهو تفكير مفتوح اشترك فيه مفكرون وكتاب أميركيون كما آخرون من شتى أنحاء العالم المتقدم، هذا إذا ما أضفنا إلى ذلك تمنيات بعض الكتاب من أصحاب الفكر الاشتراكي أو الأيديولوجيات الإسلاموية في العالم النامي والذين خلصوا إلى ما أسموه بقرب انتهاء ليس فقط “هيمنة الإمبريالية الأميركية” إنما الوجود السياسي الأميركي ككل.. وهي تمنيات لا تدعمها من الوقائع العملياتية الكثير، مع إقرارنا من أن المجتمع الأميركي يحمل من عناصر تفجره الداخلي الكثير. ومع ذلك فالولايات المتحدة الأميركية تحمل عناصر قوتها العسكرية الضاربة في العالم وبفعل تقدمها التكنولوجي والمعرفي ويكفي القول أن الحصة الأكبر من جوائز نوبل تذهب لأساتذة من الجامعات الأميركية وبفعل تنوعها الإثني والعرقي واقتصادها الذي يعتبر أكبر اقتصاد في العالم، ويكفي القول إن الأزمة الاقتصادية التي ضربت الاقتصاد الآسيوي في تسعينيات القرن الماضي كما هي أزمة عام 2008، فالولايات المتحدة الأميركية كانت الدولة الوحيدة في العالم القادرة على ضخ 120 بليون دولار كتعويض لبعض الشركات المتضررة.

لكن أن تأتي مثل هذه الكتابات من أفراد عملوا مع المؤسسة السياسية الأميركية في عهودها السابقة فإن مثل ذلك يرفع الكثير من التساؤلات أولاً حول جدية مثل هذه القراءات وتأثيراتها على العالم المناهض والمعاضد لسياسات لولايات المتحدة الأميركية.

لقد برزت الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية وأثناء الحرب الباردة كقوة ضاربة لم يأت العالم بمثلها بعد الإمبراطورية الرومانية. وقد تمكّنت أميركا من أن تكون الدولة الوحيدة المتفردة على العالم، وهو تسيّد وتفرّد في العالم كان خلال السنوات التي أعقبت سقوط حائط برلين وبعد ذلك سقوط الاتحاد السوفيتي ومنظومته العسكرية والأمنية. إلا أن هذا التسيد قد رافقه توظيف سيّئ إن لم يكن مضطربًا لقوتها المتفردة، مما دفع الكثير من القوى الحليفة لها في أوربا ولربما في مواقع أخرى في العالم بأن تعيد حسابات مواقفها الداعمة والمطلقة للولايات المتحدة الأميركية دون حدود.. وأعتقد إن هناك ما يكفي من الدول الحليفة والمناهضة للولايات المتحدة الأميركية باتت تعمل على نقض التفرد والتسيّد الأميركي على النظام العالمي.

ويطرح فريد زكريا في مقال له في مجلة الفورين أفيرز مؤخرًا مجموعة من الأسباب التي يعتقد بأنها مؤشرات على بداية أفول الهيمنة السياسية الأميركية رغم استمرارية قوتها الاقتصادية العظيمة وقوتها العسكرية الضاربة. والتي أولها يأتي بروز الصين كقوة اقتصادية مؤثرة في الاقتصاد العالمي بعد الولايات المتحدة الأميركية، وهو بروز قد أخذ جزءًا مهمًّا من الاستحواذ الاقتصادي الأميركي إن لم يكن بات ينافسها حتى في الداخل الأميركي. ولربما ثاني هذه الأسباب هي إعادة النهوض الروسي كقوة مؤثرة على الساحة السياسية ووازنة من الناحية العسكرية. فهي قد لا تكون من حيث القوة الاقتصادية في مركز المقارعة مع الولايات المتحدة الأميركية إلا أنها قد أثبتت قدرًا من النهوض العسكري الذي عزّز من الهوية القومية الروسية المتضررة من سقوط الاتحاد السوفيتي.

وثالث هذه الأسباب بروز الجماعات الإسلاموية كقوى معادية للهيمنة والنفوذ الأميركي في العالم العربي والإسلامي والذي تمثلت معاداته في الهجمات التي قادتها القاعدة على أبراج نيويورك في سبتمبر عام2001.. وهو عمل خلق قدرًا من الخوف والترقب في العالم، وهي هجمات قد دفعت أميركا أن تقوم بالحشد لعملين عسكريين في العالم الإسلامي والعربي في أفغانستان والعراق، وهو عمل قد بدأ قبل عقد ونيف من الزمان على أن ينتهي سريعًا ولم ينته بعد. وتبدو المفارقة أنه في الوقت الذي حصلت فيه أميركا على دعم كل دول العالم لعملها العسكري في أفغانستان فإن محاولاتها ترتيب توافقًا لغزوها للعراق قد باءت بالفشل ولذلك اتجهت بناءً على ذلك للعمل من خارج الشرعية الدولية وهو ما أضعف موقفها وعقد من أمر عملياتها في العراق. وبمجرد احتلالها للعراق فإن أميركا قد تصرّفت بقدر فائق من الرعونة من حيث انفتاح شهيتها لتوسيع عملياتها للداخل السوري من ناحية ونزوعها نحو تدمير الدولة العراقية وتفكيك جيشها وقواتها الأمنية والقيام بما يشبه التطهير السياسي ولربما الاثني لنظامها السياسي وأجهزته البيروقراطية. وتركها لمؤسسات الدولة المنهارة دون حماية فاستباحتها الجماعات الغوغائية والعصابات الدولية. مما خلق حالة من الفوضى والوهن ساعد على صعود قوى السلفية الجهادية في جيلها الثاني والثالث في عموم المشرق العربي. بل إنها سلمت العراق لجماعات سياسية لم تملك مقومات النهوض بالدولة أو إعادة بنائها.

ويعتقد فريد زكريا أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 قد أعاد تشكيل الثقافة السياسية الحاكمة في الولايات المتحدة الأميركية وهي لذلك دفعت الإدارة الأميركية لاتخاذ مجموعة من السياسات والقرارات “الظرفية” والمتسرعة والقائمة على الخوف من تداعيات الحدث وهي تداعيات كما يعتقد جعلت من الممارسة السياسية الأميركية في الخارج تتجاوز في بعضها المواثيق والقانون الدولي: بدءًا من قرارها بغزو العراق مرورًا بسجونها السرية في آسيا وأوربا الشرقية مرورًا كذلك بالاتهامات لها بسوء معاملة السجناء في العراق وأفغانستان وجزيرة أغوانتنامو. وهي أحداث وممارسات باتت تشكل الحالة التي هي عليها الإدارة الأميركية. ويعتقد فريد زكريا أن السلوك السياسي الأميركي إبان حكم بوش الابن أعطيت الجانب الأخلاقي في سلوك السلطة السياسية الأميركية في الخارج لدرجة أن حلفاء تاريخيين ومندمجين في السياسة الأميركية الخارجية مثل كندا واليابان وبعض الدول الأوربية يجدون أنفسهم في تضاد من الناحية الأخلاقية من نمط (استايل) السلوك السياسي الأميركي الجديد في الخارج. ولربما الانسحاب الأميركي من اتفاقية المناخ واتفاقية نزع القدرات النووية الإيرانية من جانب واحد دون طرح البدائل، وقد يكون أبرز الاتهامات التي باتت تشير إلى دعم الإدارة الأميركية للجماعات الشعبوية واليمنية الأوربية، هذا إذا ما أضفنا إلى ذلك اندفاعتها إبان حكم أوباما للتضييق على روسيا بعد أن كانت قريبة جدًّا من سياساتها إبان حكم بوريس يلتسن أول رئيس منتخب للاتحاد الروسي بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.. إذ وبخلاف التعهدات اندفعت أميركا لضم دول أوروبا الشرقية لحلف الناتو، بل كما واتجهت نحو الضغط على حلفائها الغربيين لقبولهم في الاتحاد الأوربي والذين باتوا يشكّلون عليه عبئًا اقتصاديًّا وسياسيًّا وبفعل طبيعة نظامهم السياسي الذي هو كما يقول ليتفسكي أقرب إلى السلطوية التنافسية، انحدرت مواقع الاتحاد الأوربي في ميزان الشفافية وفي الحريات المدنية والسياسية وفي العملية الديمقراطية. من الناحية الأخرى فإن الكثير من السياسات التي يتبناها بوتن لربما تعكسها حقيقة أنه يرى في الكثير من السياسات الأميركية في شرق أوروبا تهديدًا لأمن الدولة في روسيا. وهي سياسات تبنتها الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ سقوط الاتحاد السوفيتي. بل يمكن القول إن جزءًا من الاتهامات التي يسوقها بعض الساسة الأميركيين من التدخلات الروسية في الانتخابات الأميركية قد تكون نابعة من الضيق الروسي من سياسات الإدارة الأميركية. فأوروبا الشرقية وبفعل حلفها العسكري والسياسي السابق تشكل جزءًا من الأمن الروسي.. وإن الخلاف حول المسألة الأوكرانية يعكس النقض الأميركي للروسي بأن ذلك لن يشمل أوكرانيا.

إن جزءًا من معضلة العلاقة الأميركية مع الكثير من دول العالم هو في رغبتها الجامحة نحو تغيير العالم للدرجة أن الذي يحدث من تغييرات في الداخل الأميركي في السياسة والقيم والسلوك لا بد أن يكون شاملاً للمجتمعات الأخرى لمستوى التماثل والتطابق، وهي سياسات قد حققت بعض النجاحات في بعض مجتمعات آسيا وأميركا اللاتينية، إلا أنها بالطبع غير قابلة للتحقق في مجتمعات أخرى رغم خضوعها للهيمنة الأميركية ولقوى ومتغيرات العولمة. بل إن هذه المتغيرات قد خلقت، بما فيها بعض المجتمعات الغربية، قوى وجماعات معادية وبقوة لمتغيرات العولمة.

وأخيرًا فإن الليبرالية في شكلها الذي ساد في الكثير من مجتمعات العالم والتي كانت الولايات المتحدة أحد أكثر المجتمعات المشكلة لمضمونها وهياكلها السياسية والثقافية والاجتماعية قد تكون في تداعٍ مثير للقلق. ويكفي القول أن سلعَنة الخدمات الاجتماعية وتحديدًا الصحة والتعليم قد ينبئ بتداعٍ خطير على الكثير من الدول المتجهة نحو تبني نمط الليبرالية المتوحشة التي ما زالت في الكثير من حالاتها محصورة في دول معينة. وتبدو الليبرالية المتوحشة في مصاحباتها الاجتماعية والسياسية في المجتمعات النامية أشد وقعًا وتأثيرًا... من الناحية الأخرى فإن هناك اعتقادًا متناميًا لدى البعض من أن إعادة بروز الدولة التسلطية في مواقع كثيرة في أوربا الغربية وفي أميركا اللاتينية وفي آسيا، إن هو إلا نتيجة لهذه السياسات، وهو تطور لم يكن نتيجة مباشرة لوصول الرئيس دونالد ترامب للبيت البيض في عام 2016 بقدر ما هي نتاج لسياسات عقدين من الزمان اشترك فيها الحزبان الحاكمان الجمهوري والديمقراطي. وهي حالة من الوهن تفقد أميركا نتيجة لذلك قدراتها التأثيرية على مجتمعات كانت في السابق تنضوي تحت مضلتها إلا أن تحولاتها السياسية الداخلية جعل منها دولاً ولربما منظومة لا تتشارك كثيرًا معها في ذات القيم والتوجهات السياسة. ويبقى التساؤل المطروح هل تنبئ مرحلة ترامب في الحكم إلى تحولات تصيب المجتمع الأميركي لعقود قادمة قد لا تقترب في تداعياتها على المجتمع الأميركي من تلك التداعيات التي أصابت الاتحاد السوفيتي إبان حكم غروبشوف..

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية