العدد 3908
الخميس 27 يونيو 2019
عمود أكاديمي د. باقر النجار
نحن وهواتفنا النقالة: مَن يسيطر على الآخر؟
الخميس 27 يونيو 2019

عندما اخترع جراهام بيل التلفون سنة 1876، أي أكثر من قرن ونصف القرن من الزمان، قام ريجينالد فسندن في ديسمبر من عام 1900 بإجراء أول مكالمة لاسلكية، إذ نقل الصوت عبر موجات الراديو وأرسل إشارات من خلال برج الراديو لآخر. وعندما قام بذلك لم يكن في خلدهما أن تطورا كبيرا سيجري على مخترعهم البسيط، وأن حجم ووقع وآثار هذه الهواتف ستكون كبيرة إن لم تكن مدمرة في بعض حالاتها. لقد كانت الوظيفة الأساسية لهذه الهواتف حينها هي التواصل بين الناس وقضاء حاجاتهم في التواصل والتجارة والسياسة. وهي وظيفة لم يتحقق لها هذا الانتشار إلا بعد عقود.        إلا أن التطور الذي جرى لوظائف هذه الهواتف قد جاءت عبر توظيف تقنيات جديدة تم اختراعها أو اكتشافها مع غزو الإنسان للفضاء وحاجات الدول العظمى للتواصل مع قواعدها المنتشرة في مواقع مختلفة من العالم وكذلك حاجات شركاتها العابرة للحدود وذات المصالح المتوسعة من التعامل السريع مع وحداتها الإنتاجية حول العالم. وهي اختراعات أدخلت المجتمع البشري في مرحلة تكنولوجية وحداثية جديدة أطلق عليها ألفن توفلر بالموجة الثالثة التي جاءت مع اكتشاف الشريحة الإلكترونية أو ما يطلق عليها البعض، بالثورة الإلكترونية، وهي ثورة حملت معها الكثير من الثورات المصاحبة، أي أنه اكتشاف تكنولوجي جاء على شكل موجات من الاختراعات الجديدة الذي مع كل اختراع تأتي معه الكثير من المصاحبات والتأثيرات التي بات العالم كله مسرحا لها. وهي حالة لم تغير وجه العالم فحسب وأدخلته في حالة تكنولوجية جديدة، وإنما غيرت معه مصفوفة كبيرة من أنماط الحياة. فلم يعد الهاتف، وبفعل التطور الذي جاء على أجياله الجديدة، ذلك الجهاز البسيط المخترع قبل أكثر من قرن من الزمان، أداة للاتصال فحسب. لقد أصبح هذا الجهاز مخزنا مهما للمعلومات الفردية والعامة، وأداة فعالة فيما سمي بالقوة الناعمة إن لم يكن أحد أدواتها الفعالة. وهي أداة باتت مخزنا لخصوصيات الفرد أو الأفراد، إلا أنها تبقى خصوصية هشة سرعان ما تتهاوى مع أي اختراق بات يمارسه الأفراد كما المؤسسات. وهو اختراق يأتي معه مشكلات أخرى تخص الفرد أو الأفراد كما تخص المؤسسات.

وقد أتاحت التطورات التقنية التي جاءت أجياله الجديدة والمنافسة القائمة بين الشركات المصنعة له لأن يصبح هذا الهاتف ذا مكانة خاصة في حياتنا الخاصة والعامة. فبعد أن كان اقتناء الهواتف المتحركة أو النقالة قبل أكثر من خمسة عقود من الزمان حكرا على المقتدرين ماليا ونوعا من الوجاهة الاجتماعية، أصبح هذا الجهاز وبسبب رخص أثمانه نسبيا عند بعض الشركات المصنعة ذات الجودة والشهرة الأقل، متاحا لكل الناس باختلاف أعمارهم وطبقاتهم وفئاتهم الاجتماعية، بل إنه وبفعل ذلك أطاح بالفواصل القائمة بين الجماعات والفئات والطبقات.                واستطاعت شركات الاتصال المحتكرة أو القائمة على تشغيل الهواتف النقالة أن توسع من مشتركيها بشكل كبير كنتيجة لأساليب الدعاية والتشويق. بل إن الهواتف النقالة قد استطاعت أن تحتل مكان الهواتف الثابتة في المجتمعات التي كان الوصول فيها لخدمة الهواتف الثابتة تحيطها الكثير من الصعوبات والمشكلات البيروقراطية ولربما الفنية كمصر وبعض بلاد الشام وشمال إفريقيا. وبعد أن كان هناك هاتف ثابت لكل أسرة مقتدرة أصبح الوضع الآن أن يكون هناك هاتف أو هواتف لكل فرد، وأصبحت حمى اقتناء الهواتف النقالة في أجيالها الجديدة مجتاحة كل المجتمعات ولكل الفئات والطبقات. بل أصبح معدل اقتناء هذه الهواتف في منطقة الخليج العربي 2.5 هاتف أو أكثر قليلا لكل فرد. إنه انتشار لم يساعد فحسب على سرعة نشر الخبر والصورة، وإنما ساعد كذلك على كسر الحواجز الزمنية والجغرافية وانتهاء الخصوصية الفردية. وهو انتهاء طال من هم في الهامش كما أولئك الواقعون في المركز.    

من الناحية الأخرى لم تعد للهواتف المحمولة وظيفة واحدة كما كانت الهواتف الثابتة التقليدية. فالهاتف المحمول هو أداة للاتصال والتسلية، كما أنه أداة للبحث عن المعلومة العامة والخاصة. وهو في ذات الوقت أداة لإنجاز الإجراءات والمعاملات الرسمية والخاصة، بل ولربما القيام ببعض الأعمال. وأصبحت تطبيقاته الجديدة أداة مهمة للتواصل والضغط على الأفراد والمؤسسات يوظفها أشخاص أو مؤسسات ولربما دول لتحقيق أهداف ومصالح، أو لحماية مصالحها في مواجهة أفراد أو جماعات أو مؤسسات ولربما دول، أو للإعلان عن سياسة أو سياسات، أو لإدارة الصراعات بين الدول، وقد بدا ذلك واضحا في كل الصراعات والأزمات التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية منذ أن وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البيت الأبيض. بل إن إدارة الأزمة الامريكية - الإيرانية الأخيرة أزمة قد تم عن طريق أحد وسائط الهواتف النقالة. ويمتد هذا إلى أن يكون الوسيلة التي من خلالها يتم الإعلان عن إقالات الرئيس بعض موظفي البيض الأبيض أو وزرائه. وقد ساعد انتشاره الكبير أي الهواتف النقالة، على نشر الأخبار والقصص وأفلام اليوتيوب الخاصة والعامة، الصحيحة منها والكاذبة. وهو لهذا قد أصبح معريا للأشخاص وكاشفا لهم، يلتقط الأشخاص من خلال كاميراته المتطورة من غير أن يدركوا ذلك ومن خلاله تسرب من خلاله أخبارك وأسرارك من حيث لا ترغب. وأصبح بعض ما يتم تناقله من صور وأفلام مؤذية للفرد والذوق العام وخادشة للحياء العام يتم كل ذلك من خلاله. كما أن سهولة اختراقه من خلال الهاكرز وغيرهم قد جعل من خصوصيات الأفراد عامة وقد تفضح أحيانا علاقات الأفراد غير المعلنة أو الحميمية أو الخاصة، بل إن سرعة تناقل الصور والأخبار رغم محاولات الكبح التي يصاحبها مذهلة وكبيرة. ويكفي الإشارة إلى الموجة الاختراقات (الهاكينك)التي  جاءت على  هواتف بعض الافراد والتي من خلاله تم سرقة أموال أو تحويلها (غالبا عن طريق وسترن يونيون) لأشخاص يقعون على الضفة الأخرى من المنطقة العربية.        ونتيجة لكل ذلك، فقد أصبحت هذه الهواتف تمثل بالنسبة للأفراد حاجة لا غنى عنها. وأصبح تعلق الأفراد بها تفوق في الكثير من حالاتها درجة الإدمان. فهي قد أصبحت بفعل تضخم خدماتها، وبالتالي الحاجة إليها، وما ينقل من خلاله من أخبار للفرد وتواصل على شبكات التواصل الاجتماعي، حاجة لكل شخص أو هكذا تم تصويرها. فهو المُذكر بالمواعيد والارتباطات اليومية، بل والمُوقظ في الصباح، من حيث رغبت أم لم ترغب. كما هو الشيء الذي تغمض عليه عينيك قبل المنام، كما أنه ذات الشيء الذي تفتح به عينيك عند استيقاظك في الصباح. فكل معلوماتك وسجلاتك الخاصة مخزنة فيه وكل معاملاتك وحجوزات رحلاتك ومطاعمك وحساباتك البنكية تنجز من خلال هذا الجهاز السحري الذي بات مخترقا لكل الناس ومالكا لهم رغم امتلاكهم له. وأصبح تعلق الأفراد به تصل لحالة مرضية، رغم ما قد يسببه لهم من مصاحبات وآثار في حياتهم الخاصة وحياة أسرهم.                وهو في الوقت الذي يتيح للأفراد قدرا مهما من التواصل مع الآخرين ومعرفة أخبارهم وأخبار من حولهم وأخبار العالم، وهي أخبار قد لا تُتيحها في بعضها، الوسائط الإعلامية التقليدية والرسمية، إلا أن التطبيقات الجديدة الموظفة من خلاله لوسائط الاتصال الاجتماعي، أصبحت تحمل الكثير من الآثار الاجتماعية على فئة الأطفال والمراهقين كما هي على البالغين. وهي في الوقت الذي أطاحت ببيوت وأسر وعلاقات بين الأزواج من ناحية وبين أبنائهم ولربما أقاربهم من ناحية أخرى، إلا أنه بات يمثل أداة مهمة للتعارف ولربما تجاوز الكثير من الحواجز الاجتماعية والطبقية والفيزيقية ومعرفة المحظور من الأخبار والكتابات المحظور والمواقع المشفرة. كما أنه قد شجع البعض على الإتيان من خلاله الكثير من القول أو الفعل والسلوك الذي لا يجرؤون على الاتيان بها في حياتهم وعلاقاتهم في الواقع.

فالفضاء السيبرني الذي تعمل فيه الكثير من تطبيقاته الجديدة، والمُفتقر للكثير من الضوابط والحدود والموانع الاجتماعية بات مشجعا للأفراد ولربما الجماعات على الإتيان بأفعال لا يجرؤون على الإتيان بها في حياتهم الواقعية، وبفعل هذا الفضاء أصبح هذه الأداة وسيلة مهمة في كسر الكثير من التابوهات والمحرمات الاجتماعية والأخلاقية ولربما تلك التي لا يقبل بها الدين. ولربما التشجيع على رفض ثوابته، وهو الأمر الذي دعي بعض المجتمعات ليس منها المجتمعات العربية، وإنما في جلها مجتمعات غربية. ليس فقط لدراسة آثاره الاجتماعية والنفسية ولربما السياسية والثقافية على الفرد كما هي على المجتمع، وإنما باتوا يبحثون في السبل التي قد تساعد على إخضاعه لقدر من الضبط من خلال سياقات قانونية وتقنية وثقافية. وهي حالة مازالت في طور البحث والتفكير أكثر منها في طور الفعل، وهو فعل تشترك فيه الحكومات كما هي منظمات المجتمع المدني ولربما الأفراد والجماعات وما الدعوة التي أطلقت قبل فترة في الغرب والولايات المتحدة الأمريكية. من دعوة للتخلي عن استخدام الهواتف ليوم إلا تعبيرا عن رغبة باتت تجتاح البعض في نزع السيطرة التي باتت الهواتف النقالة تُخضع الأفراد لها، وإذا ما كانت الحكومات الغربية قد دقت جرس الإنذار من التوظيفات السلبية للهواتف النقالة، فإن الحكومات العربية لم تبارح فعل الإجراءات الرادعة إلى فعل ترشيد وتصويب السلوك.    

وقبل أن نختتم نذكر دائما بانشغالك أو انشغال أصدقائك أو اقاربك عنك بهواتفهم النقالة في لقاء لا يعكر أو يفسد صفوه إلا هذا الانشغال. إنها صورة أو حالة لا تخصك أنت لوحدك، بل باتت تخص كل واحد منا أصبح يستمتع بخدمات متعددة يقدمها هاتفه النقال. والذي أصبح حمله ذا تكلفة لنا ولمجتمعاتنا ليس من الناحية المادية فحسب، وإنما آثاره الاجتماعية والنفسية والسياسية باتت كبيرة إن لم تكن مدمرة.

أنه فعل لا يبدو أننا قادرون على نزعه أو التخفيف من حدته؛ لأنه بفعل الحالة والزمن قد أصبح متمفصلا في شخصيتنا الحديثة. إنها إحدى مصاحبات الحداثة غير المرشدة، وهي تكلفة ندفعها من أنفسنا ومن مجتمعاتنا نتيجة هذا التمتع غير مُعقلن بمقتنيات ونتاجات ما بعد الحداثة أو لنقل ما بعد العالم الحديث. ولكنها مع ذلك تبقى الآلة التي تفضح تناقضاتنا ولربما عدم قدرتنا على أن نتحول إلى مجتمعات فاعلة ومؤثرة في التطور العالمي. إنه تناقض قائم بين الذات التقليدية المستخدمة له والمنتج الحداثي بفضائه ما بعد الحداثي.

*مقال نشر في الأصل في مجلة كانو الثقافية. عدد أبريل-يونيه 2019.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية