العدد 3908
الخميس 27 يونيو 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
حماقة الاحتراق (22)
الخميس 27 يونيو 2019

نحن الشرقيين مساكين، عاطفيين في الحب، ومندفعين في السياسة، ومراهقين في الاجتماع. لو قالت لنا قطة: إنها تحبنا، مستعدون، وبسبب التصحر العاطفي الذي نعيشه أن نلقي بانفسنا من فوق شاهق؛ لنثبت لها حبنا. ننتشي بتمثيل دور البطل، تغوينا حماقة الاحتراق والتضحية، يسكرنا تصفيق الجماهير ولو بجرنا إلى حفلة مسلخ، يغوينا تمثيل دور الضحية. يقول نزار قباني في الترويج لمثل هذه العاطفة الساذجة في الحب: (متى ستعرف كم أهواك يا رجلا.... أبيع من أجله الدنيا وما فيها. يا من تحديت في حبي له مدنـا... بحالهــا وسأمضي في تحديهـا. أنـا أحبك يـا سيفـا أسال..... دمي يـا قصة لست أدري مـا أسميها. أنـا أحبك حاول أن تسـاعدني، فإن من بدأ المأساة ينهيهـــا.  وإن من فتح الأبواب يغلقهــا، وإن من أشعل النيران يطفيهــا. يا من يدخن في صمت ويتركني.... في البحر أرفع مرساتي وألقيهـا. ألا تراني ببحر الحب غارقـة..... والموج يمضغ آمـالي ويرميهــا. انزل قليلا عن الأهداب يا رجلا ....ما زال يقتل أحلامي ويحييهـا. كفاك تلعب دور العاشقين معي.... وتنتقي كلمات لست تعنيهــا). قمة العبودية أن تستمر في اللعبة، وأنت تعلم أن الآخر يلعب دور العاشق كدور فقط. الفراغ العاطفي قد يقود الإنسان لبيع قلبه حتى في الأسواق الشعبية مقابل دراهم عاطفية معدودة لينتهي به المطاف لأن يكون مجرد قطعة خردة أو سكراب أو قطع غيار حتى لشاحنة بشرية متوحشة. شاهدوا فيلم “her” إنه رائع. شاب يعاني فقرا عاطفيا ووحدة قاتلة، وروتينا مملا يقوده كل ذلك إلى علاقة مع آلة صوتية مبرمجة على صوت امرأة في الكمبيوتر، يتفاعل معها إلى أن يتعلق بها إلى حد الجنون. نحن نعاني تصحرا عاطفيا داخل المنزل وفي العمل، ومع الأصدقاء ومع المجتمع، وكل ذلك يقود إلى تعملق قرحة ضخمة مدماة بداخلنا، فنكون على استعداد لعقد علاقة حتى مع ذبابة إذا سمعنا منها لفظا جميلا.

الأفلام العربية، والأغاني العربية، والأشعار العربية، والعادات العربية، ونمط حياتنا، وطريقة تفكيرنا في التربية والسياسة وكل شيء تكرس مفهوم (الضحية) وعبادة (الجلاد) على حساب الذات، وهي تعزز من مفهوم كسر السعادة لأجل آخر، يعيش على حسابها. أغاني أم كلثوم وألحان بليغ حمدي، وكلمات مرسي عزيز، والشعراء كلهم مشتركون في ترسيخ ذات المفاهيم الخاطئة، حتى الخطباء ورجال الدين، ونظام التعليم تكرس جلد الذات، والانتشاء بلعب دور البطل المضحي، وتقديم القرابين وكأن حياة الإنسان مجرد (تبس وبخشيش) نقدمه في النهاية لحارس المقبرة. ما أتفه قيمة العمر في العالم العربي. في تحليل اريكولوجي حفري لأغنية أم كلثوم (سيرة الحب) التي ضيعت الآلاف رغم جمالها تقول (والعاشقين دابوا ما تابوا  طول عمري بقول لا أنا قد الشوق وليالي الشوق

ولا قلبي قد عذابه وقابلتك انت لقيتك بتغير كل حياتي

ما عرفش إزاي حبيتك

ما عرفش إزاي يا حياتي

من همسة حب لقيتني بحب وأدوب في الحب وصبح وليل علي بابه) فقط همسه وإذا بك في الجحيم!! ما أسهلنا!!! واستسلمنا واقتنعنا أن مادمت تحب، فأنت من سلاسة المساكين، ولابد أن تبقى في هذه الزنزانة حتى نهاية العمر (فات من عمري سنين وسنين

شفت كتير وقليل عاشقين

اللي بيشكي حاله لحاله

واللي بيبكي على مواله

أهل الحب صحيح مساكين).

يقول الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير (ثمة ثلاثة شروط لتصبح سعيدا: أن تكون غبيا وأنانيا وبصحة جيدة، فإذا فقدت الصفة الأولى، سيضيع منك كل شيء) .الأنانية المشروعة هنا أن تحب ذاتك، وإذا فاض حبك لذاتك ستحب الآخرين، وستعطي أكثر. تكون الأم كذلك الأب، حمقاء إذا أحرقت شبابها (تضحي) لأبنائها، وتتلف صحتها، وتكدس القروض على رأسها، ثم تتحول إلى مربية لأطفالهم أيضا، ثم تبكي في نهاية العمر فوت قطار السعادة، وتبكي على عدم اهتمامهم. أنت المخطئة. كوني معطاء، لكن اهتمي بسعادتك، فمن يحب الآخرين أكثر من ذاته، يبتسم له الآخرون في وجه، ويضحكون على سذاجته في الخفاء. لا تقولي ((أنا ضحيت لأجلكم!!) أين كان عقلك؟ السعادة كما القانون لا تحمي المغفلين. نحن أساتذة في تربية الوجع، وفي توفير مناخ البكائيات، وذرف الدموع على الماضي، والعمر يمضي، ونحن مستمرون في لعب دور الضحية. وهنا نص لكاتب، انظروا كيف وصل بنا الحال برعاية الوجع والفخر بذلك، ولم يبق إلا أن نسجل له شهادة تأمين مدى الحياة: (أريدُ أن أعْتَني بهذا “الوجع”..

‏أُربِّيهُ في صدري..في أغنياتي..في كُل ما أكتب!

‏أخشى أن تُداويه الأيام ..أن ينطفئ!

‏أن يصير مُجرّد “رجعَ صدى”..لا لون له ولا رائحة!). اكسروا هذه المفاهيم، فالحياة جميلة، ولن تعيشوها مرتين.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية