العدد 3907
الأربعاء 26 يونيو 2019
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
التقاعد بـرّاق... ولكن!
الأربعاء 26 يونيو 2019

قد تبدو كلمة (تقاعد) براقة جدًا؛ لمن عاش منكم سنواتٍ من الكدّ والجدّ والعمل، ولاسيما حين يكون تقاعده مساويًا للخروج والانعتاق من بيئة غير مريحة لديه! ولاشك أن عالَمًا شبيهًا بالحُلم قد راود المقبلين على التقاعد؛ الذين تخيلوا أنفسهم أحرارًا بعد قيود روتينية امتدت عقودا! لذلك؛ تصبح برمجة (التقاعد) في عقولهم مُساوية لمكافأة كبيرة، تعني الراحة، ويقابلها في الاتجاه النوم الهانئ، والسفر، والاستجمام، والانطلاقة الكبيرة نحو الحياة!   جميلة هذه الأحاسيس؛ فهي تشبه – إلى حدٍ كبير – الولادة؛ حيث يَعقب الألمَ، أملٌ، وثمرٌ، ومولودٌ باسم! وأيًا ما تكون المسؤوليات؛ فإنها – على الأقل – لن تُقاس بوجع المخاض! الأمر نفسه مع حالات ما بعد التقاعد! ما يعني أنك – أيها المتقاعد – ستتفرغ إلى مهامٍ والتزامات أخرى، ربما أهملتها، أو قصّرت فيها! أو واجبات جديدة خططتَ للقيام بها؛ بملءْ إرادتك، وبتوجيهٍ من ذاتك، وليس بتعليمات من أحد! أليس ذلك ممتعًا؟! التقاعد سيُحولك إلى مسؤول كبير، مشغولٍ بنفسه، ومن حوله، ومحيطه المجتمعي! سيُرجعك إلى علاقاتك – بدرجة 100 % - مع العائلة الصغيرة والممتدة، مع الجيران، والأصدقاء، وربما تنضم لإحدى الجمعيات؛ فتساهم بخبرتك النوعية، التي ستقدمها – بكل طواعية وحب - إذ سرعان ما سيعتريك شعور بأهمية مشاركة الآخرين مناسباتِهم؛ أفراحَهم قبل أتراحهم!  قد تبدأ بتحسس بعض أوجاع جسدك التي سَوّفْـت وماطلت في علاجها، والتي خططت – أكثر من إجازة – للشروع في عمل شيءٍ حاسمٍ تجاهها، ولكنك تعذّرت بعشرات الحجج التي تقف دونها! ها أنت ذا (تَـقعُد) الآن؛ لتتفرغ لصحتك، ولياقتك! وإِنْ لم يَخب الظن؛ ستلتحق ببرنامج رياضي، أو نادٍ متخصص، وستضع لنفسك نظامًا غذائيا صحيًا، وستقتفي نصائحه حرفًا حرفًا، وبكل سرور، أليس كذلك؟ بعضكم تَقاعد، لا ليتقاعد.. بل ليتشاغل من جديد، وليبدأ رحلة عمل ثانية أو مشروعًا خاصًا أو يمارس هواية ما، أقرب إلى طموحه الذي لم يتحقق سابقَا! وإلى أمانيّه التي كانت تتلجلج في صدره، وتُلح عليه سنوات وسنوات، والتي حالت دونها وظيفته الرسمية – ربما – وحان الآن وقتها، وجهدها، ومالها، وحصادها، ومتعتها! لكلٍ (وِجهة هو مُوّليها)؛ ولكلٍ طريقته في التقاعد؛ فإذا كان البعض يرى فيه خيرًا، ونفعًا، وحرية؛ فذلك محمود! ولكن! كلُ الرجاء ألا يُترك وقته مفتوحًا، يمضي على البركات؛ فتضيع أيامه سدى، وتختلط ببعضها، أو تتحول إلى روتين أسوأ من ذي قبل! قليل من التخطيط مطلوب، لكيلا تضيق بنا المساحات، فنبحث عن تقاعد من التقاعد نفسه!.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية