العدد 3904
الأحد 23 يونيو 2019
غداء عمل.. وقمة دول “الآسيان”
الأحد 23 يونيو 2019

أتيحت لي في الأسبوع الماضي فرصة التحدث والجلوس بجانب وزير خارجية تايلند السيد/‏ Don Pramudwina على طاولة مأدبة الغداء التي أقيمت على شرف صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، رئيس الوزراء الموقر؛ بمناسبة زيارته تايلند، وحضرها عدد من كبار المسؤولين التايلنديين على رأسهم الجنرال Surayud Chulanon رئيس الوزراء الأسبق وكبير مستشاري ملك تايلند.

وقد حرصت الحكومة التايلندية على تكريم سموه، على الرغم من أن الزيارة التي يقوم بها هي زيارة خاصة، وعلى الرغم من أن المسؤولين فيها منشغلون من قمة الرأس إلى أخمص القدم في مشاورات ومناورات تشكيل حكومة ائتلافية جديدة، ومنهمكون في ترتيب انعقاد الدورة الرابعة والثلاثين لقمة دول الآسيان ASEAN (رابطة دول جنوب شرق آسيا) التي انعقدت لاحقًا برئاسة تايلند في بانكوك في الفترة من 20 إلى 23 من هذا الشهر، وكذلك انشغالهم بالإعداد لمشاركة تايلند في قمة مجموعة العشرين (G20) التي ستعقد في مدينة أوساكا اليابانية في الفترة 28 و29 من هذا الشهر أيضًا، وتضم “مجموعة العشرين” الدول المتقدمة وأكبر الدول النامية والناشئة على مستوى العالم، وتتكون مـن 19 دولة، إضافة إلى رئاسة الاتحاد الأوروبي ليصبح عدد الأعضاء 20، والمملكة العربية السعودية هي الدولة العربية الوحيدة العضو في هذه المجموعة التي تمثل ثلثي التجارة في العالم وأكثر من 90 بالمئة من الناتج العالمي الخام.

أقيمت مأدبة الغداء المذكورة قبل ثلاثة أيام فقط من انعقاد قمة الآسيان في بانكوك. وبالنتيجة، فإن جدول أعمال القمة كان على رأس المواضيع التي تمت مناقشتها بعد أن أكد المسؤولون التايلنديون اهتمامهم وعزمهم على الاستمرار في تطوير العلاقات البحرينية التايلندية.

وبما أن أهم الأهداف والمبادئ التي أنشئت مجموعة الآسيان على أساسها تشمل احترام حقوق الإنسان وحماية الاستقرار الإقليمي والتعاون؛ من أجل التصدي للقضايا التي تعوق تحقيق السلام والازدهار في المنطقة، فإن أزمة أو مأساة لاجئي الروهينغا المسلمين تصدرت جدول أعمال القمة، حيث يتم السعي الآن إلى عودتهم الآمنة إلى مناطقهم التي فروا منها في ماينمار، مع ضمان أمنهم وسلامتهم وكرامتهم بعد ما تعرضوا له من اضطهاد وقمع مفرط ومجازر وحشية وتطهير عرقي، وهي جرائم أسفرت عن مقتل الآلاف وفرار قرابة مليون منهم إلى بنغلادش في العام 2017 وفق تقارير الأمم المتحدة، التي وصفتهم بـ “الأقلية الأكثر اضطهادا في العالم”.

وقد شاركت السيدة أون سان سو تشي رئيسة وزراء ماينمار في أعمال المؤتمر في بانكوك، وهي تواجه انتقادات حادة ومتزايدة من جانب المجتمع الدولي بسبب قبولها وسكوتها عن المجازر والفظائع التي ارتكبها جيش ماينمار ومليشيات بوذية في حق الأقلية المسلمة في بلادها في تناقض صارخ مع كفاحها السابق من أجل الحرية والعدالة.

 

أون سان سو تشي قد مُنحت جائزة نوبل للسلام في العام 1991 لنضالها السلمي غير العنيف من أجل حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية في ميانمار، بحيث أصبحت في ذلك الوقت تعتبر على مستوى العالم مدافعة عن الحرية عندما وقفت في وجه الدكتاتورية العسكرية في بلادها وقضت 15 عاما في الإقامة الجبرية.

إلا أن قبول أون سان تشي وصمتها عما حدث وعدم تدخلها لوقف العنف، أدى إلى ارتفاع وتيرة الانتقادات العالمية والمناشدات والعرائض التي تطالب اللجنة المنظمة لجائزة نوبل بسحب الجائزة منها، بما في ذلك الدعوة التي رفعتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة لسحب هذه الجائزة على أساس أن قبول أون سان تشي وسكوتها عمل يتعارض ويتناقض مع أهداف جائزة نوبل ومع القانون الدولي وحقوق الإنسان مما أفقدها الأهلية لتقلد الجائزة، إلا أن نظام جائزة نوبل لا يسمح بسحبها من أي شخص تسلمها، وأن لجنة الجائزة غير مسؤولة عن أفعال أي شخص بعد استلامه للجائزة.

وللأسباب ذاتها، فقد قامت منظمة العفو الدولية بتجريد أون من جائزة “سفيرة الضمير” التي كانت قد منحتها لها في العام 2009 عندما كانت تخضع للإقامة الجبرية.

كما سُحبت منها جائزة “حرية مدينة أكسفورد” التي حصلت عليها تقديرًا لنشاطاتها السابقة في مجال حقوق الإنسان. وجُردت سو تشي كذلك من جنسيتها الكندية الفخرية، وخسرت العديد من الجوائز التي كانت قد منحت لها من قبل عدد من المنظمات والجامعات والحكومات.

ومع أهمية وخطورة مأساة أو قضية المسلمين الروهينغا في ماينمار وعلاقتها بالأمن والاستقرار في منطقة جنوب شرق آسيا، وخصوصًا بالنسبة لثلاث دول إسلامية أعضاء في مجموعة الآسيان، وهي إندونيسيا وماليزيا وبروناي، إلا أن سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحربه التجارية ضد الصين، وغيرها من الدول جعلت العالم بأسره، بما في ذلك دول الآسيان، يتهيأ في الفترة الراهنة لاجتياز تحولات عميقة في بنية النظام العالمي مما قد يتطلب إعادة صياغة الكثير من الرؤى والمفاهيم التي تحكم العلاقات الدولية، والتمسك بقيم وأهداف التجمعات الإقليمية والتكتلات الاقتصادية الكبرى وتفعيل دورها وهياكلها لتتوافق ومقتضيات التغيرات الجارية على الساحة الدولية.

وعلى ضوء ذلك، فإن توتر العلاقات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة خصوصا جعلت هذه الدورة لقمة مجموعة الآسيان تكتسب أهمية خاصة ومضاعفة، حيث إن قادة هذه الدول على إدراك تام بحجم وخطورة التبعات والتداعيات التي ستفرزها المواجهة التجارية والتكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة على أوضاعهم وخططهم الاقتصادية والتنموية، ولا يترك أمامهم أي خيار آخر سوى المبادرة باستغلال هذه التطورات واعتبارها فرصة قيمة وسانحة وحافزا ودافعا لإعادة تمركزها ومراجعة منظومة علاقاتها مع بعضها البعض مما يؤدي إلى تصفية الرواسب والخلافات القائمة بينها وتنقية الأجواء وتكثيف التعاون بين الأعضاء وتطوير صيغة لتعاون هذه الكتلة مع الاقتصادات الكبرى في المنطقة، وهي الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا في إطار برنامج أو خطة تبنتها تايلند تحت عنوان “الشراكة الإقليمية للتكامل الاقتصادي”، والتي يتوقع أن يتم التوصل اليها خلال هذا العام كما ذكر وزير الخارجية التايلندي، والتي في حال تطبيقها ستبرز للوجود أقوى وأغنى تجمع اقتصادي في العالم كفيل وقادر على مواجهة التحديات والتهديدات ومحاولات الابتزاز ومتمكن من المساهمة الإيجابية والفعالة في بناء مستقبل مشرق لجميع شعوب ودول العالم.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية