العدد 3869
الأحد 19 مايو 2019
التقاعد الاختياري ومهارات الموظفين المفقودة.. التحديات والفرص
الأحد 19 مايو 2019

تصور أنك تتجه إلى إنهاء بعض المعاملات في جهة حكومية معينة ما وفي النفس الوقت لا يجيد الموظف كيفية إنهاء المعاملة؛ لأن سابقه لم ينقل له المهارات والقدرات والمعرفة اللازمة في العمل، فكيف سيكون تقييمك للمؤسسة الحكومية؟


تخيل أنك تتجه إلى مركز صحي، وأثناء الفحص تكتشف أن المعالج لا يجيد استخدام الجهاز الطبي، فما هو رد فعلك؟


هل ستركب طائرة وستسافر إذا عرفت أن الطيار لا توجد عنده مهارة الطيران؟ هنا تأتي الحلقة المفقودة في التدريب في جميع أنحاء العالم وهي عملية نقل المعرفة والمهارات والقدرات (Knowledge Transfer) بين الموظفين في أي مؤسسة، إذ إن كثيرا من المؤسسات لا يلتفت إليها إلا حين يكون هناك فراغ في المؤسسة وبالتالي يحتاج أفراد المؤسسة إلى وقت لجمع هذه المهارات تحت سقف واحد.


إن عملية نقل المعرفة هي القدرة على تحديد المعرفة في المؤسسة ومن ثم القدرة على توجيهها إلى أماكن أخرى بحيث يتم استفادة أكبر عدد من الأعضاء من هذه العملية. ويقسم العالمان اليابانيان نوناكا وتاكوشي المعرفة إلى نوعين. النوع الأول هو المعرفة الضمنية (Tacit) والتي تكون مخزنة في عقول البشر ولا يمكن نقلها بسهولة مثل الخبرة العملية، التفكير، القدرات الفردية. أما النوع الثاني فهو المعرفة الظاهرة (Explicit)، والتي تكون موثقة أو مخزنة خارجيا مثل الملفات، الكتيبات، الوثائق.  إذن كيف ستتعامل الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية مع عملية نقل المعرفة؟ لا يخفى على الجميع أن هناك بعض المؤسسات لديها برامج نقل معرفة معينة، لكن هل هي جاهزة للمرحلة الجديدة مع هيكلة الحكومة المقبلة؟ وهل سوف تحافظ هذه المؤسسات على الخدمات المرموقة التي تقدمها؟


من خلال التجارب السابقة لبعض المؤسسات الخاصة في مجال فراغ المعرفة عند الموظفين في الولايات المتحدة الأميركية (مثل شركة الفضاء الأميركية “ناسا”)، نتوقع أنه سوف تواجه الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية في مملكة البحرين فراغا في قدرات ومعارف الموظفين الذين انضموا للتقاعد الاختياري الحالي، إذ إنهم يملكون كنزا من المعارف والمهارات والقدرات لا يمكن تعويضها بين ليلة وضحاها مهما كانت نوعية الوظيفة.
إن الموظف الذي يملك كنزا من المعلومات ويعرف دهاليز العمل والعمليات في الإدارة كان من المفروض أن ينقل هذه المعلومات إلى الأجيال القادمة منذ فترة لا تقل عن سنة كاملة، إذ إنها غير مكتوبة وفي نفس الوقت يمكن تفادي الوضع الذي قد تصله المؤسسة لا سمح الله من هذا الفراغ سواء على مستوى العمل أو الجمهور.


ومن هنا، ومن خلال الاطلاع على تجارب السابقين في هذا المجال والخبرة المتبقية في الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية، نستعرض بعض الفرص للتغلب على تحدي نقص المعرفة والمهارات:
1. خلق قاعدة بيانات عن القدرات والمهارات المتوافرة في كل جهة حكومية لجميع الوظائف دون استثناء. ومن ثم بعد ذلك يتم خلق مصفوفة تربط بين المعرفة الموجودة والفراغ أو النقص الحالي عند الموظفين الحالي؛ لتكون خارطة طريق لبرنامج نقل المعرفة. مثلا، يتم تسجيل بالتفصيل الخطوات اللازمة لتشغيل جهاز طبي معين ومن ثم توجيه الصف الثاني على استخدامها، إذ إن بعض الخطوات تكون غير موثقة وتعتمد على الخبرة اليومية.
2. تكوين فريق عمل دائم في المؤسسة للإشراف الدوري على برامج نقل المعرفة، وهذا الفريق يجب أن يمثل جميع من يهمهم الأمر لتحسين التعاون والمعرفة بين الأفراد، إذ إن التعاون بين أفراد المؤسسة هو أساس عملية نقل المعرفة الفعالة كما يشير إليها العالمان اوديل وهوبارت.
3. ربط عملية التقييم السنوي للموظف الخبير بعدد ساعات التوجيه للأجيال القادمة خلال سنة كاملة. فمثلا، يوجه المشرف الموظف بشكل يومي أو أسبوعي في عملية نقل لمهارات التعامل مع الجمهور الأساسية.
4. وضع مزايا ومكافآت معينة للأفراد الذين ينقلون المعرفة والقدرات بشكل فعال في المؤسسة من خلال التقييم الدوري لعملية نقل المعرفة.
5. تدريب الموجهين (Mentors) بشكل مستمر على عملية نقل المعرفة للموظفين الآخرين في المؤسسة بأسلوب علمي وذي مقاييس عالمية، إذ إن هناك بعض الموجهين يملكون قدرات معينة مثل تشغيل الآلات ولكن لا يجيدون كيفية نقل المعرفة إلى المشغلين الآخرين وبالتالي يكون هناك دور كبير للبرامج التدريبية في هذا المجال.
6. استحداث برنامج حكومي موحد لنقل المعرفة ويكون هذا البرنامج جزءا من العمل اليومي للموظف. ولا يخفى على أحد بأن أحد بنود عمل برنامج الحكومة هو برامج الإحلال، التي تتطلب عملية نقل معرفة دقيقة وبالتالي كان هناك جهد في هذا المجال ولكن مع التقاعد الاختياري كيف سيكون الوضع؟
7. يقال إن أهل مكة أدرى بشعابها، وبالتالي من الأفضل أن يدير عملية نقل المعرفة أفراد المؤسسة بأنفسهم لعلمهم بخفايا الأمور وفي نفس الوقت العملية تكون مستمرة بشكل يومي، فعند إيفاد الشركات لهذه العملية فإن المبالغ سوف تكون كبيرة، وهذا لا يمنع من البدء مع الشركات لفترة محدودة ولكن العمل اليومي لعملية نقل المعرفة يقوم بها أفراد المؤسسة أنفسهم ومن هنا يجب تحويل تحدي الفراغ في المعارف والقدرات والمهارات في المؤسسات إلى فرص تفتح بها آفاق التدريب والتطوير والتوجيه بشكل مستمر خصوصا مع إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية والذي صرحت به الحكومة الموقرة للبرلمان قبل فترة وجيزة.
د. رائد ناصر المبارك

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية