العدد 3810
الخميس 21 مارس 2019
دوافع عملية نيوزيلندا
الخميس 21 مارس 2019

في بيان الإرهابي “برنتون تارنت” ذكر أن العملية الإرهابية التي نفذها الداعشي “رحمة عقيلوف” في ستوكهولم، وخصوصاً الطفلة “إبا أكرنولد”، كانت الحدث الذي ألهمه للقيام بهذه المجزرة، كما تعالت العديد من الأًصوات في الغرب والعالم العربي والإسلامي التي ربطت بين هذه الحادثة وبين الإرهاب الذي قام به مسلمون في الغرب، وأرى أن هذا التحليل وإن بدا للوهلة الأولى منطقياً، إلا أنه ينطوي على الكثير من السطحية والسذاجة وجلد الذات، كما أنه غير مبرر من قبل اليمين الغربي. فهذه العبارة للإرهابي جاءت ضمن 73 صفحة تحدث فيها بإسهاب عن معتقداته السياسية ودوافعه، إضافة لما كتبه على سلاحه الذي نفذ به فعلته الشنيعة.

لقد أسست الحضارة الغربية بشكل تراكمي لقيم ومبادئ طُبقت عملياً بشكل واضح بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس وإعلان ميثاق الأمم المتحدة، ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وصولاً إلى إعلان نيويورك للاجئين والمهاجرين، والاتفاق العالمي للهجرة، ومن أهم تلك القيم طبيعة وأنظمة الدولة الحديثة القائمة على حقوق المواطنة دون النظر للعرق والمعتقد الديني. في الحقيقة كل ما كتبه هذا الإرهابي يمثل انقلابا على تلك المبادئ، وهو نابع من خطاب اليمين المتصاعد في الغرب الذي ينادي بطرد المهاجرين حفاظاً على الهوية الأصلية للبلاد وأصحابها “البيض”. كل كلمة كانت مكتوبة بعناية فائقة ولها رسالة محددة وواضحة، كالإشارة إلى “معركة فيينا” و”معركة ليبانتو” و”معركة شيبكا” و”بوتكي” و”شارل مارتيل” و”رادوفان كاراديتش”، وهذا كله قبل داعش أو أية عملية إرهابية قام بها مسلمون في الغرب في التاريخ المعاصر، كما بدا واضحاً تأثره بأفكار “رينو كامو” مجدد نظرية “الاستبدال العظيم”، وتأثره برواية “معسكر القديسين” لجان راسبايل، وهي الرواية الملهمة للعديد من الشخصيات اليمينية في الغرب وعلى رأسهم “مارين لوبين” رئيسة حزب التجمع الوطني في فرنسا، و”ستيف بانون” المستشار الأسبق للرئيس الأميركي... هذه الأفكار مؤسسة على عنصريات أوروبية قديمة، أدت في القرن الماضي إلى إبادات جماعية لليهود على سبيل المثال.

الجدير بالذكر أن احتضان أوروبا المهاجرين بعد الحرب العالمية الثانية كان لأسباب موضوعية وعوامل تنموية أهمها الاقتصاد والتنمية والحاجة للقوى البشرية، والتذكير بأن الهجرات البشرية لم تتوقف منذ بدء الخليقة، وأن دول القارة الأميركية تنحدر شعوبها من مهاجرين، وكذلك هي أستراليا بلد هذا الإرهابي، وأيضاً نيوزيلندا التي نفذ فيها عمليته.

في الختام لابد أن نعلم بأن المشكلة أعمق بكثير، ويبدو أن العالم بأكمله يتجه نحو التشتت الآيديولوجي، بعدما أصبح شبه موحد في نهاية القرن الماضي الذي تخلص فيه من ثلاث آيديولوجيات كبيرة هي الإمبريالية والفاشية والشيوعية، وأننا نعيش اليوم عودة الفكر الشعبوي القومي أو الديني كما يرى “يوفال هرري” في كتابه “21 درساً للقرن 21” خصوصاً مع صعود اليمين في الدول الغربية، ومحاولة عودة القيصرية إلى روسيا، ودولة الخلافة أو الإمامة في الشرق الأوسط، وتطبيق التلمود في إسرائيل، وبروز قوة التنين الصيني.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية