العدد 3808
الثلاثاء 19 مارس 2019
قراءة في تطور فكر اليمين المتطرف (1)
الثلاثاء 19 مارس 2019

مثلما يحدث تاريخياً مع الفكر المتطرف الذي ينتقل عبر مراحل ومنعطفات محددة من مربع التطرف إلى مربع الإرهاب وسفك الدماء، انتقل اليمين المتطرف في مذبحة “كرايست تشيرتش” بنيوزيلاندا، التي راح ضحيتها 50 من المصلين وإصابة 40 آخرين بمسجدين بالمدينة، إلى مرحلة جديدة من ممارسة العنف وسفك الدماء، فالقاتل الإرهابي تحدث في بيانه عن استهداف قادة سياسيين أبرزهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وعمدة لندن صادق خان، وهذه نقطة في غاية الأهمية، ليس لجهة ارتباط اليمين المتطرف باستهداف زعماء سياسيين لأن هذا الأمر تكرر تاريخياً مرات عدة، لكن لأن تصنيف مجموعة من السياسيين في العالم باعتبارهم من أنصار الهجرة والمهاجرين وداعمي اللاجئين، ومن ثم استهدافهم بالقتل، قد يكون له أثر بالغ السوء على الأمن والاستقرار العالميين.
هناك أيضاً سمة أخرى لتطور الظاهرة تتمثل في استنساخ أساليب هجمات سابقة للتيار ذاته، ومن ثم “توسيعها” حيث أكد الإرهابي منفذ مذبحة مدينة “كرايست تشيرتش” أنه استوحى جريمته من “أندرس بيهرينغ بريفيك” مرتكب هجمات النرويج عام 2011، وهو أمر يضاهي تطور إجرام تنظيمي “داعش” و”القاعدة” وحتى الهجمات الإرهابية التي نفذتها عناصر من “الذئاب المنفردة” مرات عدة في دول ومدن مختلفة بالطريقة ذاتها مع اختلافات بسيطة في وسيلة التنفيذ.
الواضح أيضاً أن تطور فكر اليمين المتطرف لا يخضع للرقابة ذاتها التي تخضع لها عناصر الإرهاب المحسوب على الدين الإسلامي، فالقاتل الإرهابي اعترف بأنه يخطط لارتكاب هذه المذبحة منذ عامين، وأنه اتخذ قرار التنفيذ في مدينة “كرايست تشيرتش” قبل 3 أسابيع فقط، وكان طيلة تلك الفترة يكتب ويسجل أفكاره البغيضة عبر وسائل التواصل الاجتماعي من دون أن ينتبه أحد إلى مضمون هذه الأفكار، وإمكانية ترجمتها إلى عمل إرهابي.
سمة أخرى لهذه الجريمة البشعة أنها ارتكبت من جانب شخص يعترف بأنه لا ينتمي إلى حركة سياسية أو تنظيم حركي، لكنه اعترف بتأثره تماماً بقادة سياسيين معادين للهجرة والمهاجرين والأقليات في الغرب، وهذا الكلام يعني أن الخطاب السياسي المتطرف لا يقل خطورة عن الخطاب التحريضي الذي يوظف الدين الإسلامي في الهجوم على الحضارة الغربية وأتباع الديانات الأخرى.
ومع ذلك فمن السذاجة التسليم بأن القاتل الإرهابي قام بتنفيذ جريمته بتصرف منفرد، أي أنه ذئب منفرد ولكن وفق نهج يميني متطرف، والأمر يتطلب تدقيقاً خشية أن تكون هناك تنظيمات يمينية متطرفة انتقلت بالفعل من العمل المعلن إلى العمل السري عبر شبكة أتباع منتشرة في العالم، حيث تقوم السلطات النيوزيلاندية بالفعل بإجراء التحقيقات للكشف عن وجود جهة مسؤولة عن التخطيط لهذا الهجوم الإرهابي. “إيلاف”.

إن تطور فكر اليمين المتطرف لا يخضع للرقابة ذاتها التي تخضع لها عناصر الإرهاب المحسوب على الدين الإسلامي

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية