العدد 3807
الإثنين 18 مارس 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
المجد والاكتئاب (2)
الإثنين 18 مارس 2019

لا أستهين بالحب والصدمة العاطفية في تحويل حياة الإنسان إلى جحيم إذا تحولت إلى تعلق مرضي. يقول الكاتب الروسي ليو تولستوي: أقوى أسباب تغير الأشخاص هي الألم والمال والعلاقات العاطفية، والوحدة. يقول محمود درويش ((الليل يا أماه، ذئب جائع سفاح يطارد الغريب أينما مضى)). الفنان الإسباني سلفادور دالي كان الاضطراب يموج مع عبقريته، خصوصا في هوسه بزوجته التي عشقها بفرنسا، وهو القائل: ((عندما سأله صديق: ما اهتماماتك؟ قال الاهتمام بمن أحب، وكنس فوضاه، وبناء العبقرية)). أما فان جوخ صاحب لوحة الحذاء، وأغلى لوحات عالمية، فقد قضى ثمانين يوما في المصحة العقلية في فينسينت مجنونا، أنهى حياته برصاصة بسبب الحب، ونيتشه الفيلسوف الألماني انتهى به المطاف مجنونا، وتعقد من كره النساء لكثافة شاربه. ولعل مهزلة الرأسمالية هي جزء من جنوننا، وكما قيل: ((زاد المال، وتلاشت راحة البال، ارتفع الذكاء وقلت الحكمة، زادت المعرفة، وتناقصت المشاعر، كثر الأصدقاء، واختفى الوفاء، تنوعت الساعات، ولا نجد الوقت)). والسؤال: لماذا أمثال ريتشارد نيكسون وجورج بوش. وهاريسون فورد. أبراهام لينكون. إسحق نيوتن عانوا الاكتئاب؟
هناك حلقة ضائعة، وسر دفين في النفس البشرية، هل هي العبقرية والذكاء الحاد، هل هو الفقر أم الغنى؟ هل هو المجد والشهرة، هل هو الإلحاد؟ هل هي غربة الإنماء والجغرافيا أم هي سطوة الحب أم صدمات عاطفية أو فقدان عزيز؟ لماذا تفتك بهم الشوزفرينيا أو المارزوخية أو السادية أو اضطراب ثنائي القطب أو هي النرجسية المتضخمة أم البرانويا أم العبودية المختارة وعقدة النقص؟ سأحاول الإجابة من خلال بحث طويل مرتكزا على تحليل من رؤى نهج البلاغة والدراسات الأنثربولوجية التي استهوتني منذ ما يربو عن 25 عاما، وخلال مقالات قادمة. فالحياة خلطة كيماوية، لابد أن تتزن فيها متبعا هرم ماسلو، والإبداع يتطلب توازنا في الحياة اعتقادا وإيمانا ومادة، وواقعا، وبتحليل سيكولوجي وسييسيولوجي (اجتماعي)، فإذا كنت مبدعا، وتحمل ملامح الأسطورة فلذلك ضريبة، ولكل شيء ثمنه ((حين تدعو طالبا هطول المطر، يجب أن تعلم أنك ستتعامل مع الطين أيضا)).
الإمام علي عليه السلام يختصرها في كلمة سيكولوجية ((ليس الزهد ألا تملك شيئا، وإنما الزهد ألا يملكك شيء)) مالا أو منصبا أو شهرة أو حبا، فإذا خفضت أهمية كل الأشياء إلى حد الصفر، تصبح أنت اللاعب الحقيقي في معادلة الحياة، ولا شيء يستحق التعلق إلا الله سبحانه وتعالى، وإذا ما تعلقت بشيء غير الله، فإن الله، والكون يشتغلان على تخريب هذا التعلق، فتعيش في دوامة وفوضى لا تنتهي وإن كنت تمتلك كل الدنيا.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية