العدد 3807
الإثنين 18 مارس 2019
فنلندا.. أيسلندا.. سنغافورة.. أحمدك يا رب
الإثنين 18 مارس 2019

ما إن يجري الحديث عن أهمية التعليم وتطويره في بلداننا، حتى يجري ضرب الأمثال بالدول الأولى في التعليم في العالم على مدى السنوات الفائتة، مثل كوريا الجنوبية وفنلندا وأيسلندا والسويد وسنغافورة، ويريد المتحدثون أن تتأسى دول بهم في الجانب التعليمي حتى نصبح مثلهم في العلم والتطور والتكنولوجيا وطريقة التفكير.
هذا الكلام ليس صحيحاً على إطلاقه ولا خاطئاً على إطلاقه، فتلك الدول أولت التعليم مكانة عالية، يؤثر عن باني سنغافورة لي كوان يو قوله إن هناك ثلاث كلمات وراء تقدم بلاده، هي: التعليم والتعليم والتعليم، بالطبع لم يكن أي نوع من التعليم، بل كان تعليماً متقدماً انتشل سنغافورة من كونها بلد فلاحين صغيرة وفقيرة، ليجعلها مضرب مثل لدول أغنى وأكبر وأقوى وأعرق.
ومن هنا أغدقت الحكومات الواعية على التعليم في الموازنات، وجعلت منه حجر الأساس للتنمية البشرية، وراهنت عليه، وأتت رهاناتها رابحة لأنها اتبعت خططاً طويلة المدى، طويلة النفس، مع مراقبة النتائج الأولية، والتعديل الذي يجعل من الخطط والبرامج التعليمية كائنا حيا ينمو ويتطور سنة بعد أخرى ليواكب الجديد في العالم، ولن يتمكن من ذلك، لكنه أبداً لا يتوقف مكانه... هذا جانب الصواب في الحديث عن التعليم في الدول المتقدمة.
أما جانب الخطأ في هذا الكلام، من وجهة نظري، أنه يقع في الخطأ الذي تقع فيه الدول النامية، المنبهرة بالتقدم الذي تصل إليه الدول ذات المقاعد في الصفوف الأولى من العالم في كل المجالات، ومرجع هذا الخطأ أن المهتمين في قطاع ما يفصلون هذا القطاع عمّا حوله، يفصلونه عن بيئته الحاضنة ويأتون به يتيماً في بلدانهم، ويبذلون الغالي والنفيس ليغدو نسخة لما كان عليه في تلك البلاد، ولا يجنون في النهاية إلا قبض الريح، لأن الصناعة أو التعليم أو الطب أو الرياضة أو أي قطاع إنما هو عملية متكاملة يدخل فيها المجتمع وثقافته وطريقة تفكيره، فأي اجتثاث لفكرة ما في بلد متقدمة وزرعها في بلد تخلو من تلك المكونات، سيشبه من يستزرع الفراولة في رمال الربع الخالي، أو من يسقي شجرة بلاستيكية يومياً على أمل أن تنمو وتثمر أيضاً.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية