العدد 3802
الأربعاء 13 مارس 2019
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
أم بالفطرة... أب بالتربية
الأربعاء 13 مارس 2019

لا أجمل من مشهد طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها العامين تحتضن مجموعة من الدمى أو العرائس، وتحاول إرضاع بعضها، والعناية ببعض آخر، بل تستخدم كل وسائل الدفاع عنها؛ كلما حاول أحد اختطاف واحدة منها، أو تعريضها لأي إتلاف أو تخريب! هي طفلة بالتاء المربوطة (ة) المؤنثة، وليست طفلا ذكرًا! إنها مشروع أمّ جاهز بالفطرة، لم تتعمد أمها تدريبها، ولم يفرض عليها مجمتع ذكوري – كما نسميه – هذا التخصص، ومن ثم؛ إجبارها على ممارسته مستقبلا؛  بوصفه مهمة إلزامية، وواجبا مفروضا!
تولد الأنثى أمًّـا؛ لذلك؛ فهي لا تحتاج إلى زواج يعقبه حمل أو ولادة لتكون هذه الأم! وسواء تزوجتْ أم لا، وسواء كانت مُنجبة أم لا – لأي سبب كان – هي أمٌّ بامتياز شديد، فحين نتحدث عن فطرة الأمومة؛ فهذا يعني أنها ككائن بشري أنثوي لديها من الامتيازات الطبيعية، ما ليس لدى قرينها الرجل. لديها هرمونات (أموميّة)؛ سرعان ما تتجسد لنا عند أول استيعاب أو إدراك للطفلة لمحيطها والعلاقات البسيطة حولها، وقد اكتشف العلم الحديث هذه الهرمونات لدى الأنثى، والأجمل كيف أنها تؤثر مستقبلا على الرجل؛ ليشاركها المشاعر نفسها، وكأن هناك عملية انتقال غير مرئية أو محسوسة لهذه الهرمونات بين الزوجين، مسؤولة عن توصيل مشاعر مشابهة لغريزة الأمومة إلى الرجل؛ فيما نسميه بـ (الأبوّة)!
وبذلك تكون (الأبوّة) مكتسبة، ويكون اكتسابها سابقا لولادة الأبناء، بل أكاد أبتعد أكثر لأقول إن الولد/ الذكر يكتسبها من أمّه أولا ثم من أبيه ثانيًا؛ فحين يتعايش الطفل مع إخوته، ويشاهد حُنو أمه عليهم، ويختبر علاقة أبيه معهم؛ إنه بذلك يبدأ بتكوين مشاعر قوية تجاه ما سيكون عليه في المستقبل؛ ودوره الذي سيمثله، وهو (الأب) في مقابل (الأم)، لذلك لا نستغرب الحنين العميق والتوق الداخلي الذي يستشعره كل رجل لإنجاب الأبناء، والذي يكون قاسيًا ومؤلمًا في حال لم ينجب هذا الرجل! فليس الأمر فيما يظنه المجتمع حول إنجاب خَلَف كما هو شائع، إنه أعمق بكثير، إنه موغل في النفس الإنسانية، فكما ولدت الأنثى أما، إنَّ الذكر يعرف يقينًا ومنذ مراحل طفولته الأولى أنه صاحب دور الأب.
من هذا المنظور إذًا؛ ليست فطرة الأمومة ميزة تتفوق - بشكل مطلق - على الأبوة المكتسبة؛ فبين الأم والأب والأبناء، علاقات دائرية؛ من حيث تأثر بعضهم ببعض؛ هناك (هرمونات) طبيعية تنتقل عبر الوراثة، كما أن هناك (فرمونات) تُكتسب عبر المعاشرة والاختلاط السليم بين أفراد الأسرة، وما كان الله ليميز بين رجل وامرأة لولا اختلاف وظائفهما التي تُستكمل بها دورة الحياة.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية