العدد 3793
الإثنين 04 مارس 2019
عشرية الربعي
الإثنين 04 مارس 2019

تظهر في الكثير من المجتمعات شخصيات قيادية تبقى حاضرة وإن غابت، شخصيات بالغة التأثير في محيطها، وربما هذا التأثير يتأخر لأن هذه الشخصيات تكون سابقة أو أنها بأفكارها المتقدمة، ومن مَن يمكن إدراجهم تحت هذه المسميات والوصوف، الراحل الدكتور أحمد الربعي، المفكر والمناضل الكويتي الذي كان له تأثير في بلده، وفي البحرين وعمان.

حاولت طويلا اقتناص مناسبة لأكتب شهادة قصيرة فيه لموقف عميق التأثير في نفسي وأنا في مطلع حياتي المهنية، إذ اكتظّ بهو أحد فنادق المنامة بالكتاب الكبار والمفكرين وكنت أحاول أن أقتنص اللحظة التي أتحدث فيها مع “مفكر” كبير، فإذا به يتهرب مني بخفة وسخرية مشيراً عليّ بأن أقابل غيره كفلان أو فلان، وكأنه يورطني معهم أو يورطهم معي، متكئاً على فارق السن وعلى قامته الفكرية، فأشحت عنه وإذا بي أمام الدكتور أحمد الربعي، فسألته تعليقاً عن آفاق عقد التسعينات وانعكاسه على المنطقة وجدار برلين قد انهار للتو، وكان هذا هو محور المؤتمر، فسألني: “هل من الممكن أن نؤجل اللقاء إلى ما بعد الغداء... فقط أستريحُ قليلاً وآتيك”، فقلت في نفسي وهذا متهرّب آخر.

في الموعد المحدد كان هو من يبحث عني ليبرّ بوعده، وجلس مجيباً عن أسئلتي التي ربما كانت أقل نضجاً نظراً للسن والتجربة، لكنه أحاله إلى لقاء عميق ومتميز، حيث السخاء والكرم بلا حدود، وحيث التدفق المبهر.

في الأسبوع الماضي، احتفى عدد من محبي الراحل الدكتور أحمد الربعي بمرور عشر سنوات على رحيله، على الرغم من أنه كان مقيماً بيننا طيلة هذه السنوات، نستعيد مقولاته ومواقفه بالمقاطع التي خلدت بعضاً من آرائه في الوضع الكويتي والعربي، في الألم الذي يعتصره وهو يرى الأوضاع تتردى، يشرّح الأوضاع، ويرسم طريق الحلول، والمصيبة الكبرى أن الطرق لا تزال مرسومة مع مرور كل هذه السنين، لكن لا أحد يجرؤ على سلكها، فتبقى المشاكل نفسها، والإخفاقات ذاتها، بل تكبر وتتلون وتزداد قبحاً وتنفيراً، إذ ابتلعت ما ابتلعت من أموال وأعمار وفرص.

كالربعي يوجد أناس في كل مكان في وطننا الكبير خصوصاً، أعينهم حادة وبصيرتهم نافذة، ثاقبو الرأي، أعزّة الأنفس، غير أن حظوظهم عاثرة إذ تدير لهم الأجهزة ظهورها لترحب ببيوت الخبرة الأجنبية التي تقبض الملايين وهي لا تحمل بيديها الفارغتين سوى قبض الريح.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية