العدد 3792
الأحد 03 مارس 2019
دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬والأزمة‭ ‬بين‭ ‬الهند‭ ‬والباكستان
الأحد 03 مارس 2019

أصبح واضحًا الآن أن كابوس أو احتمال نشوب مواجهة عسكرية مفتوحة أو حرب شاملة بين الهند والباكستان قد تراجع وتم تخطيه وتجنبه، وذلك قبل انفلات الزمام وانعدام إمكانية السيطرة على مجريات الأمور، وأصبح واضحًا أيضًا أن الدولتين قررتا الالتزام بالتهدئة وضبط النفس إدراكًا من قادتها للخطورة والنتائج الكارثية المرعبة لأي صدام عسكري مفتوح بينهما، والذي يمكن أن يتطور إلى نزاع دولي مسلح.

هذا لا يعني أن المشكلة قد انتهت، فلا يزال حتى الآن ثمة جمر يلتهب تحت الرماد، كما أن كثيرًا من المراقبين يعتقدون أن الأوضاع مازالت مرشحة للمزيد من التصعيد والانفجار.

فقد نجح الإرهاب من جديد في صب الملح على الجرح، وخلق المزيد من التوتر في العلاقات الهشة في الأساس بين البلدين، وتفجير أزمة خطيرة بينهما عندما تعرضت الهند في منتصف الشهر الماضي إلى عملية إرهابية نفذها أحد الانتحاريين في القسم الواقع تحت الإدارة الهندية من إقليم جامو وكشمير وراح ضحيتها أكثر من 40 عسكريًا من الجيش الهندي.

وقد اتهمت الهند تنظيم “جيش محمد” الإرهابي الذي أقر بمسؤوليته عن الهجوم، ووجهت أصابع الاتهام أيضًا إلى الباكستان واتهمتها بالتورط ودعم وإيواء المنظمات الإرهابية في أراضيها وعدم القيام بما هو لازم لتصفيتها أو لكبح جماحها والسيطرة عليها.

وكرد فعل للعملية الإرهابية قامت الطائرات العسكرية الهندية باختراق المجال الجوي لباكستان وقصفت مواقع داخل الأراضي الباكستانية وصفتها الهند بأنها مراكز تدريب لتنظيم “جيش محمد” الذي نفذ العملية، تبعها اختراقات وتبادل للقصف الجوي على جانبي الحدود المشتركة، وإسقاط طائرات وتراشق للاتهامات، ولأول مرة منذ 50 عامًا حدثت مواجهة بين سلاح الجو للبلدين.

وإدراكًا من المجتمع الدولي لخطورة الموقف، الذي قد يؤدي إلى حدوث مواجهة عسكرية مفتوحة بين الطرفين، فقد استنفرت دول العالم جهودها لتطويق الأزمة وتجنب ارتفاعها إلى مواجهات موسعة، وبادرت بدعوة الطرفين إلى التهدئة وضبط النفس. ومن دون أدنى شك فإن أي حرب تنشب الآن بين الدولتين ستؤدي إلى خلط الأوراق الإقليمية بشكل يصعب إعادة ترتيبها فيما بعد.

إن نشوب أي مواجهة أو نزاع مسلح مفتوح بين هاتين القوتين النوويتين ستكون له عواقب وخيمة ونتائج كارثية مدمرة على دول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص أكثر من أي دول أخرى مجاورة للهند والباكستان، ولذلك فإن المساهمة في منع الاشتباكات وتجنب توتر العلاقات وإحلال السلام بين هاتين الدولتين أصبحت من القضايا المصيرية والمحورية الملحة، ومن المسائل والأهداف الإستراتيجية والأمنية بالنسبة لدول مجلس التعاون. إن لدى دول مجلس التعاون جملة من المخاوف والهواجس المشروعة بالنسبة لقضايا الأمن والاستقرار والنمو الاقتصادي في شبه القارة الهندية، وإن هذه الدول، أكثر من غيرها ولأكثر من سبب، ستكون أول وأقرب وأكبر المتضررين في حالة نشوب نزاع مسلح مفتوح بين الطرفين، ولنتذكر بأن هناك مسافة ليست شاسعة بيننا وبين هاتين الدولتين اللتين تمتلكان مجتمعتين ترسانة نووية مرعبة تشتمل على أكثر من 270 قنبلة أو رأس نووي، وأكثر من 1500 طائرة مقاتلة، وأكثر من 8 آلاف دبابة ومدرعة، وأكثر من مليوني جندي تحت السلاح، وسفن حربية وحاملة طائرات وغواصات ومدمرات وفرقاطات وغيرها من أسلحة وأدوات القتل والتدمير.

إضافة إلى ذلك فقد ارتبطت دول مجلس التعاون بمصالح وعلاقات اقتصادية وثيقة ومتينة مع الهند والباكستان بحيث أصبحتا مجتمعتين من أكبر الشركاء التجاريين لهذه الدول، وأن نشوب أي حرب بينهما ستكون له آثار غير حميدة على اقتصاديات هذه الدول في أحسن الأحوال.

كما أن نشوب حرب مفتوحة بين الدولتين سيكون له تداعيات وإرهاصات خطيرة على ما بين 12 و15 مليون مواطن هندي وباكستاني يعيشون ويعملون في دول المجلس، ويشكلون حوالي 25 % من سكانها، وتعتمد الحياة عليهم في جميع أو معظم جوانبها ومساراتها مما يجعل هذه الدول عرضة للشلل والاحتقان عندما تتسرب إلى هذا العدد الكبير حالة العداء والمواجهة، وتستنفر نوازعهم وعواطفهم الوطنية وتحولهم إلى قنابل موقوتة جاهزة للانفجار في أي لحظة، فتتحول عندها دول المجلس إلى ساحات للصراع والمناوشات والاشتباكات وربما الاقتتال فيما بينهم مما يهدد الأمن الداخلي لهذه الدول.

ولنتذكر أيضًا في هذا الصدد الاضطرابات التي شهدتها فرنسا مؤخرًا، عندما عمت البلاد موجة من الفوضى وأعمال العنف طالت العديد من المدن الفرنسية مخلفة وراءها خسائر مادية ومعنوية كبيرة، ولو أن الدوافع في الساحة الفرنسية كانت مختلفة عن الوضع الذي نتحدث عنه في دول مجلس التعاون.

ولذلك فقد بات الآن على دول المجلس أن تتحرك وبأقصى سرعة ممكنة، وتجند طاقاتها وإمكاناتها كافة، وتعمل جادة وكطرف محايد، لمحاصرة الأزمة ووقف تدهورها والسعي لعدم تكرارها مستقبلًا عن طريق نزع فتيلها؛ وذلك انطلاقًا من مصلحتها وحرصها على سلامة المنطقة وأمنها واستقرارها.

ويأتي على سلم الأولويات التوصل إلى صيغة مشتركة للتعاون بين أطراف ثلاثة؛ الهند والباكستان ودول مجلس التعاون والاتفاق فيما ينهم على خطة عمل ملزمة لكل الأطراف تهدف إلى الاستمرار وتكثيف الحرب على عدو الجميع وهو الإرهاب، واتخاذ تدابير عاجلة ونافذة لشن حرب متجددة ومتواصلة على الإرهاب وملاحقته والقضاء على كل الأفكار والأوكار والأجهزة والمنظمات الإرهابية التي تقف وراء الإرهاب في هذه الدول كافة، وفي الوقت نفسه إن على دول مجلس التعاون المساهمة أيضًا في مد جسور التواصل وترسيخ أسس التفاهم والثقة بين الطرفين وتشجيعهما للجلوس على طاولة المفاوضات؛ لإيجاد حلول سلمية للخلاف القائم بينهما بشأن إقليم جامو وكشمير الذي يعود إلى أكثر من 60 عامًا، والذي تسبب من قبل في نشوب حربين بين البلدين.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية