العدد 3787
الثلاثاء 26 فبراير 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
الكلمات‭ ‬مسدسات‭ ‬محشوة
الثلاثاء 26 فبراير 2019

لا ينتظر المواطن المزدحم حزنا على بابه وهو يتلقى طعنة إخطار إنذار بانقطاع التيار الكهربائي الذي أصبحت إحدى مواهب معلقات “امرئ قيس” هيئة الكهرباء والماء، وهي تعلقها كمعلقات على أبواب المواطنين، أن ينتظر هذا المواطن استعراض عضلات “الشو” في البرلمان بخصام مفتعل يعكس نرجسية متفجرة من صدمة نائب للمعان مقعد نيابي مغرٍ كواجهة إعلامية!

لا تنتظر عاطلة تآكل أملها في التوظيف كتآكل قلب أم على وحيدها الذي يفتك به المرض، أن يكون النائب المترافع عنها يخرج طاووسيته بالتقاط صورة فوتغرافية في سفارة، وكأنما انتهت قضايانا، فلم يبق إلا صناعة صور الابتسامات الممسرحة سعالا في رئة واقع مثقوب بالهموم.

إن النوم على مخدة السفارات لا تقود إلا إلى أحلام رعب للوطن، وإنها أسوأ موقع لإرسال الرسائل المبطنة لعاقل يبحث عن سياسة معقمة من جراثيم البرغماتية الضيقة، وهي أشبه بالنوم مع ذئب يضع شفاه حمامة عذراء. من كان قبلكم أشطر، فلا تعاودوا الرقص في المصيدة، ولو على خيط حريري مشدود.

لا نريد نوابا خارقين، بل نواب يمتلكون القدرة على استخدام الأدوات الدستورية لتحويلها إلى أرغفة حرية تباع في عربات متجولة في شوارع الديمقراطية، لا منصات إعدام للثقة. لا نريد انتفاخ أحلام عسلية تباع على الناس كما تباع هدايا بابا نويل على الأطفال. نريد واقعية مقاتلة تفتح عشا لمواطن انحشرت فلذات كبده في غرفة ضيقة لغرفة توارثها الأحفاد عن الأجداد.

نريد نوابا يحلون أرقام البطالة الملغزة، والتي أصبحت أكثر غموضا من “شفرة دافينشي”! فالوزارة تستحق الحصول على نجمة ميشلان العالمي في طبخ الأرقام! كم هو كبير ذاك النائب الذي يحمل صفات القديسين، يفكر في إنجاح ملف معيشي هنا أو وظيفي هناك دون تحويل المجلس إلى حلبة مصارعة تكون فيه أحلام الناس كيس الملاكمة الذي تتكسر عليه أحلام المعدمين، والنائمين على أرصفة القروض التي تبيعها أسماك قرش البنوك على الفقراء، وهي تصطادهم في شباك مصائدها البائسة والمعدمة من الإنسانية، في ظل تعملق صنم الرأسمالية المتوحشة.

الناس لا تريد نائبا يمتلك غريزة الصراخ ككتكوت للتو خرج من البيضة السياسية لبرلمان لم يأت إلا لتاريخ طويل من الحزن والوجع. فبعض نوابنا بحاجة إلى مكبرات للصمت، فالصراخ سيكولوجيا، يمثل تحايلا نفسيا، ووسيلة دفاعية تدعو للشفقة، الصراخ يعكس نقص الحجة لا قوتها، فصاحب البرهان يتبرأ من سلاح الهوشات.

يبحث المواطن البحريني عن عضلات اقتصادية، وعنتريات الوثائق و”سكس باك” لبطن الحقيقة لا شحوم مترهلة، وبطن متدلٍ للوهم، فذلك لا يزيد الواقع إلا زيادة في كوليسترول الألم، وانتفاخ حاد لحزن من الأطنان، وكي لا يتحول الواقع إلى جحيم كما هي رواية دان براون في رواية الجحيم.

نريد نائبا يعمل على إنقاذ الطبقة الوسطى كما يسعى لإنقاذ طفل غريق في محيط، نائبا يكسب ثقة القيادة بترميم الذاكرة، وثقة الجمهور بجلد الفقر، أن يكون قلبه على الوطن لا قلبه مرتهنا لحزب أو سوسة سفارات نخرت بشجرة الوطن، أو ثقافة “أنا” و”أنتم” في وضع سيكولوجي مختلط بين النرجسية المتوحشة، والسادية المتوحمة، أو الشوزفرينيا المتلونة أو الاضطراب الوجداني السلوكي في ثنائية قطبية متأرجحة بين مع أو ضد فرحا وحزنا. فهل يحتاج المواطن المكوث يومين في الجحيم وأربعة أيام في المطهر ويوم في الجنة في مولينكس الغربلة؛ كي تفهموا ما يريد كما جاء في ملحمة دانتين الإيطالية في الكوميديا الإلهية؟ هل نحتاج حاسة دوستويفسكي في تفكيك نفسية المواطن مع الألم لنعرف ما يريد؟ ارحمونا من هذا الصراخ الممجوج والألفاظ النابية، فالكلمات مسدسات محشوة.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية