العدد 3753
الأربعاء 23 يناير 2019
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
المستقبل الذي نجري خلفه!
الأربعاء 23 يناير 2019

لدى كثير من الناس هوس غريب من نوعه؛ لمعرفة ما سيحصل في المستقبل، سواء ما يتعلق بالفرد أم الدول والعالم، لذلك تجدهم يبحثون عمّا يكشف لهم شيئًا منه، وبمختلف الوسائل والسبل؛ تراهم يسعون وراء قارئي الفناجين، والودع، ومحضري الجن والعفاريت، ومَن يُسمون أنفسهم علماء الأبراج، والقليل منهم يُجهد عقله بقراءة التحليلات العقلية التي تستند إلى نظريات العلم والمعرفة؛ لاستبطان واستكشاف ما هو ممكن الحدوث في المستقبل.

إذًا؛ المستقبل الشغل الشاغل الذي يحوم في أذهاننا؛ كيف سيكون؟ وما هي مواقعنا فيه؟ ما مصيرنا؟ ما هي خواتيم أعمارنا؟ وأسئلة شخصية كثيرة تتعلق بكل واحد منا! ولأن المستقبل داخل في عالم الغيب؛ ولأن صفته الأساسية القارّة والمستقرة هي المجهول؛ فسيظل محفوفًا بالتخوّف والقلق، والانتظار والترقٌّب، وهذا طبع فينا نحن البشر؛ فما يخفى أو يستتر عنا – بطبيعة الحال - غير آمن بالضرورة، وغير معروف الشكل والهوية؛ ومن ثم؛ فهو غير مريح بالنسبة لدينا.

نحن مع المستقبل المجهول، الذي قد يكون جميلًا ورائعا أو مزعجًا وغير سار أمام خيارين؛ إما أن ننتظره بوصفه قدرنا القادم، وقضاءنا الإلهي المُنزل؛ فنصطبر عليه، ونتعامل معه كواقع آتٍ لا محالة، أو نلجأ إلى الطرق الملتوية في استكناه أو اكتشاف المستقبل قبل حصوله؛ فنبحث عن الطرق التي ذكرناها؛ ونصرف الأموال، وربما نقدم القرابين والأضحيات، وغيرها، وفي الحالتين؛ عيوننا متوجهة، شاخصة، مترقبة لهذا المستقبل الآتي.

لماذا هذا التوجه الإنساني في ظنكم؟ أليس لأن الزمن الماضي أصبح في حكم المعروف والمألوف! أليس لأن الحاضر أضحى في قبضتنا وملك أيدينا! ألا يكون ذلك لسبب رئيسي ومهم جدا هو السيطرة!

لا يرتاح ابن آدم ما لم يسيطر على هذا العالم، لذلك نراه يسعى بشتى السبل لمعرفة طبيعة ما لم يحن أوانه بعد، وهو المستقبل؛ كيف يُحكم الإمساك به، لكيلا تفلت المسائل من يديه! وما علم التنبؤ، والماورائيات، والميتافيزيقيا، وعلم ما وراء الجسد، وكتابات وأفلام الخيال العلمي... إلا وسيلته المُستميتة في تطويع المستقبل في وقت مبكر، وما تلك إلا طريقته في فرض الهيمنة على ما استُخلف عليه؛ الأرض!

وما قصص الانتظار، ومراراته، إلا ترجمة حرفية لماهية أو فكرة المستقبل المجهول؛ فحين تنتظر – أيًا يكون موضوع الانتظار – ستعيش أثناءها حالة من الغموض؛ سببها جهلك ما سيأتيك.

لذلك حين تلجأ لتلك الوسائل؛ فردًا كنت أم جماعة؛ لاستحضار ما لم يحضر بعد؛ فإنك تكون تحت سيطرة هدف وحيد هو التأكد بأن ما ستأتيك به الأيام مريحًا! أليس كذلك؟.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية