العدد 3718
الأربعاء 19 ديسمبر 2018
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
“والله بلشة”!
الثلاثاء 18 ديسمبر 2018

ما منا أحد إلا ويعيش بين ظهرانيه، أو في وسَطِه، أو مجتمعه، أو ربما عائلته، أو مقر عمله شخص أو عدة أشخاص ما لهم من تسمية إلا (البلشة)؛ كأنهم مغروسون غرسًا؛ لتنغيص حياتك - بشكل أو بآخر- وكأنك مسؤول عنهم، مُكلّف بهم، وبحل مشاكلهم المالية؛ وكل ما يستجد أو يطرأ من أمورهم؛ وكأنه لا يمكن ألاّ يكون لك نصيب من الوقوع فيها، وتحمّل تبعاتها، أو دفع مستحقاتها!

هؤلاء هم الذين اعتادوا بين فترة وأخرى الشحاذة والتسوّل، وبأساليب يعرفها كل ضحية لهم، وتكون لهم أوقات وشعائر ومراسم وطريقة عرض، بعضها فنيّ، وفيه نوع من الإبداع في التمثيل وحَبْك أو ترتيب الفكرة، وإيصالها إلى اللحظة القصوى المشحونة بالدراما؛ حيث المصيبة تشتد أو تحتدم، ولا يكون الحل إلا من جيبك أيها الضحية! أما بعضها الآخر؛ ففيه تكرار مُسّف وممجوج وقبيح، لا يجعل للمنهوب منه غير الصياح: كم تريد من الآخر، أو خلّصني!

هؤلاء موجودون في كل مكان، وقد ذكرهم التاريخ منذ قديم الزمان، ولم تنفع معهم الوسائل، واستعصت الحِيَل على كل شاطر للتخلص أو الحدّ منهم؛ وهم في حاضرنا مُتلونون، أصعبهم القريبون منك؛ الذين يتفنون في إحراجك، واستدرار عطفك، وتذكيرك بأنهم ذوو القربى الأولى بالمعروف، وتنتهي القصة غالبًا بالاستسلام لهم، حتى يحين موعد قصة جديدة للطالب نفسه أو غيره، وهكذا تستمر سيناريوهات المتسولين!

هؤلاء شحّاذون، لم تُقصر اللغة العربية في وصفهم، فهم لا يطلبون منك بهدوء، بل بإلحاح شديد، لذلك هم مُزعجون، مُقلقون، مُؤذون، كثيرو الطلب، فشحّاذ، من صيغة المبالغة (فعّال)، ومعنى الشحذ، هو سنّ السيف أو السكين، أو الرمح، وكلنا يفهم هذا المعنى، وأثر هذا (السنّ) يصيب قلوب المَشْحُوذ منهم، أو المطلوبين؛ ضحاياهم، الذين توجهت إليهم سهام الشحّاذ، فاستسلموا!

(والله بلشة)، ولكن ليس من هؤلاء! نحن البلشة، الذين انجررنا لهم، وساعدناهم على فقد ما تبقى من ماء وجوههم – إنْ كان لا يزال هناك ماء – نحن الذين نساعدهم على الاستمرار، والإلحاح، في كل مرة نعطيهم! وفي كل مرة نقوم بذلك؛ نُهدر كرامتهم أكثر، ونُضيّع حياءهم الذي ساعدناهم في سكبه – فقط – لنرتاح من (حنّة الطلب)، ونُوقف ماكينة الإزعاج!

توقفوا عن التذمر منهم؛ فأنتم تُنعشونهم أكثر، وتحيون شعائرهم! قولوها لهم: لا.. دعوهم يتحملون مسؤولياتهم، وتبعات معيشتهم! اتركوهم يقفوا على أرجلهم بأنفسهم! فغالبيتهم ليسوا فقراء، فالفقراء متعففون! وصدقوني أنتم أحوج منهم، فنحن في الزمن المعيشي الصعب، الذي نتعلم فيه إدارة المال لا هَدْره!.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية