العدد 3710
الثلاثاء 11 ديسمبر 2018
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
باريس المدينة التي ولدت في قارورة عطر
الثلاثاء 11 ديسمبر 2018

هي باريس مهما تعالى الدخان بشوارعها إلا أنه يستحيل عطرا. مدينة مطرزة بطعم الكتب والأحجار الكريمة من البشر من سارتر إلى جان جنيه إلى الشاعر رامبو إلى مشيل فوكو والفيلسوف دريدا إلى مئات من الخامات البشرية التي غيرت ثقافة العالم فلسفة وأدبا وشعرا وأناقة وحضارة.

طالما سبحت في عين باريس، وتسكعت بشوارعها، فقد كانت ومازالت المدينة التي تسكنني، والمدينة التي أسكنها عندما أهرب من عالم الشرق وتناقضاته الفكرية ولعبته الخائبة على مسرح الحقيقة المطلقة التي يلعب على خشبتها أصحاب الدم الأزرق والمتلاعبون بعرق الفقراء تحت صفقات فساد التجار الخائبين.

باريس لا تشبه إلا نفسها، مهما اتسع دخان المظاهرات سترجع تلملم نفسها لتكون أيقونة العشق الأبدي، ومزارا يلقي عليه كل العشاق نذورهم وقرابين الحب الكبرى في زمن أصبح الحب “الفاستفودي” يقدم كوجبات مرتفعة الكوربهيدرات تفتك بشيرايين الحب العابر.

كل شي في فرنسا له نكهته، التاريخ حيث العراقة. القيم حيث الثورة الفرنسية، الكنائس والكتدرائيات حيث جمال الإله والمساجد حيث صوت الأذان. الشانزليزيه خلقت لتكون رحم الضوء لولادة القناديل الصغيرة التي تحبو وتنمو وتكبر مع زيادة الأمل.

شيء واحد يخنق الأكسجين هناك في مدينة العشق، وحدها الضرائب التي تراهن على موت الضوء الوليد مع كل صباح، فالأكسجين هو نفسه يحتاج إلى أكسجين وهو جنونية الضرائب التي تجلد ظهور الفرنسيين، وإلا فكل شي في فرنسا يبعث على الإعجاب وتتعلق تماثيل الكبرياء.

عشقت هذه البقعة المعجونة بالجمال، ولغتها الجميلة، فأمنيتي أن أعقد علاقة حب علمية ودراسة مع اللغة الفرنسية والإسبانية؛ لأقرأ الفلسفة بذات اللغة الأم، والآن في طريقي الإكمال هذه العلاقة.

ربما كيمياء الحب تتلاقى مع كيمياء الأرض واللغة وكل مذاق فرنسي وأوربي وكل مدينة تعطيك شيئا من حضارتها، فرنسا تمنحك الأناقة والرقي، وميلان مذاق الفاشن الصاخب، وإسبانيا البساطة وسمو الذات، والنمسا جمال الموسيقى.

في كل مدينة عشقت فيها شيئا، كانت باريس والآن تنافسها مدن أخرى، فغبت عن باريس سنين؛ بسبب حب مدن أخرى، لكن جمالها يبقى.

نحن كمجتمع شرقي نستطيع أن نستلقي على ذراع الحضارة الغربية مع التمسك بالبهارات الدينية التي تخرج لنا بتوليفة جمالية وفخفخينه حضارية، نستمتع بالحياة ونربح الآخرة دون الاستعانة بسكين طائفية أو السقوط في بئر الإلحاد المظلم.

إن باريس سترجع كما كانت فتاة ممشوقة القد، شعرها الذهبي يمتد من باريس إلى سانت خبيه إلى كان إلى ليل، ترقص رقصة الباليه، أصابعها تعزف على بيانو. في النهار تقرأ الفلسفة وفي الليل ترقص مع القمر.

سئل نابوليون كم يوم عشت سعيدا؟ فأجاب لم أعش طيلة عمري سعيدا سوى بضعة أيام. ولعل السعيدة منها لأنه تفرغ بكل حواسه إلى باريس. فلا عجب أن يعشقها طه حسين، وأن يموت على ترابها محمود درويش عاشقا وأن يتعملق على ترابها أدونيس، القامة الثقافية الكبرى.

اليابانيون أصابهم الجنون المرضي في عشق باريس؛ حتى أصيبوا بصدمة المفارقة، فأصابهم مرض “متلازمة باريس” السيكولوجي. وذات يوم خرجت في حلقة في “الاتجاه المعاكس” دافعت عن باريس بكل ما أمتلك من ذخيرة ثقافية، كنت أطلق رصاص الكلمات يمينا شمالا، شعرت حينها أني أدافع عن زرقة السماء وابتسامة النهر وعن كل قارورة عطر نبتت على أرض باريس المعتقة بعبق التاريخ فلسفة وأدبًا وجمالا.

اغفري لي باريس، غربة كلماتي، وهروب يراعي، فلأجل عينيك يسكر الهوى، وينام القمر على ذراع العشق الذبيح.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية