العدد 3676
الأربعاء 07 نوفمبر 2018
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
لا شيء خارج النقد!
الأربعاء 07 نوفمبر 2018

ربما سمعتم هذا التعبير “نَـقْد الدجاج” من أحد كبار السن، وهو يتحدث عن طبيعة الدجاج في التقاط الحبوب وأكلها، فيقول: إن الدجاج ينقد؛ وهو تعبير فصيح جدًا؛ فالأصل في النقد أن يلتقط الدجاجُ السليمَ من الحبوب، ويرمي الفاسد منها، وكأنه بطبيعته الفطرية؛ قد ميّز الغثّ من السليم؛ أي الصالح من الطالح؛ فاختار ما مالتْ إليه نفسه، أو طابت له معدته!

فكيف بنا نحن البشر، ممن حبانا الله زينة العقل!؟ إننا في الواقع مشغولون بالنقد؛ ليلا ونهارًا! فكيف إذا وقفنا عند قضية أو مسألة معينة!؟ كلنا يتحول إلى ناقد؛ يُحلل ويفسر، يُدخل الناسَ والتجاربَ والأشياء الجنةَ – إذا أراد – ويرميهم جميعًا أسفل السافلين؛ إذا بغض أو دخل في خصومة! وكما نقول بالعامية (حِبْ وقول.. وابغض وقول)!

من حق الإنسان أن يكون له رأي؛ فيطرحه ويعبر عنه؛ أي ينتقد ما يراه قابلا للنقد؛ استحسانًا أو استهجانًا؛ أي بالقبول أو عدمه لما يعترضه من مسائل أو قضايا حياتية. بل؛ من الواجب عليه أن يشارك بالنقد، بوصفه شخصية اعتبارية، مُجتمعية، فاعلة في بيئتها ومجتمعها! ولكن!! ليس النقد رميَ سهام الكراهيات، وليس معناهُ التوددَ المبالغ فيه، إنه عملية (تجويدية) وإِنْ أردتم سَمُّوه (إدارة الجودة)؛ فهو عملية تنقيح، يخضع لمعالجات في الدماغ، أي تنقية وتصفية وتحليل، سابقة لحركة الفم أو القلم!

الدجاج ينقد الحبوب؛ فيميّزها قبل أن يأكلها؛ فكيف بنا نحن البشر؟ لماذا نعاجل الآخرين بانتقادات أو نقد من دون تمييز وفحص؛ فنرمي كلامًا مسمومًا؛ في عجلة من يرمي أوساخًا في سلة مهملات بكل ثقة ولا مبالاة؛ والأمر شتّان! نعم؛ كلنا لديه قدرة على النقد؛ غير أن هذا النقد حصيلة تربية، وثقافة، وفكر، وأخلاق، فكل كلمةٍ ناقدة هي عُصارة ما نشأتَ عليه؛ فكيف ستترجم هذه النشأة للآخرين!؟

ربما تكون صائبًا مُحقًا في نقدك؛ غير أن أسلوب طرح هذا النقد؛ قد يكون مُنفّرًا، ومُستفزًا، وهجوميًا؛ فماذا ستكسب من ورائه!؟ وقد تؤمن بأمرٍ أو شخصٍ؛ فتُسرف في المديح، وتبالغ في القول؛ فماذا ستجني؟!

هذه الحياة مليئة بكثير من أسباب النقد والانتقادات، ولا شيء خارج إطار النقد، لا شيء مطلقًا، لذلك؛ كلما كان الموضوع المطروح عامًّا؛ أخذ حيّزًا ومساحة كبيرة من هذا النقد، وتوجهتْ إليه الأنظار بشكل طبيعي، ولا عجب في ذلك! العجب – كل العجب – أن تتوجه بنقدك للآخرين، وتنسى نفسك! فكما أن لك عيونًا ترى؛ إنّ للآخرين أعينًا وآذانًا وأفواهًا! وكما تدين تُدان!.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية