العدد 3666
الأحد 28 أكتوبر 2018
العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق في السنة
الأحد 28 أكتوبر 2018

تزدهر الشعوب والأمم وتنمو وتتطور عندما يستتب فيها الأمن والاستقرار وتسود فيها روح الاعتدال والتعايش والتعاون والسلام، والعكس صحيح؛ فعندما تنزلق أي من هذه الشعوب والأمم إلى هاوية التطرف والعنف والإرهاب والتمزق والاقتتال، فإنها تفقد مقومات النمو والتطور وعناصر البقاء، وتبدأ في التراجع والانهيار كما تأخذ في التقهقر في مختلف مناحي الحياة وعلى كل الأصعدة وفي المجالات كافة، إلا أن أخطر ما تتعرض له الشعوب والأمم في مثل هذه الحالات هو تقهقر وتراجع ثقافتها واضمحلال إنجازاتها الفكرية والعلمية والمعرفية.

وإثباتًا لذلك، وعلى سبيل المثال لا الحصر، وباختصار شديد، فقد أكد تقرير حركة النشر في الوطن العربي، حول حالة الكتاب العلمي، والذي أعده اتحاد الناشرين العرب عن العام الماضي 2017، بأن نشاط نشر كتب العلوم باللغة العربية قد تراجع وانخفض في سوريا بنسبة 95 % عما كان عليه قبل العام 2011، وهو العام الذي عصفت فيه رياح وأعاصير ما سمي بالربيع العربي بذلك البلد المنكوب.

وقد عَرَّف التقرير الكتاب العلمي بأنه الكتاب المتخصص في الدراسات الإنسانية والعلمية التطبيقية. هذه الكتب تمثل، طبقًا للمسح، ما يقرب من  20 % إلى 30 % من حجم حركة النشر في الوطن العربي.

وكذلك الحال بالنسبة للعراق، الذي كان يمتلك برنامجا متكاملا لنشر الكتب العلمية باللغة العربية، حيث بدأ التراجع منذ العام 2003، وهو العام الذي غزت فيه القوات الأميركية واحتلت الأراضي العراقية، ويكاد يصل فيه التراجع الآن إلى نقطة الصفر.

وفي سياق متصل، فإن الإشارة تجدر هنا إلى أن معيار تقدم الشعوب والأمم ونموها وتطورها أصبح الآن يُحَدَّد ويُقاس، بل مرهون، بمدى الإنتاج العلمي والثقافي والمعرفي فيها، خصوصا، فإن حركة نشر الكتب، الورقية منها والمنشورة من خلال المنصات الرقمية، وانتشار هذه الكتب، صار يعكس مستوى ثقافة هذه الأمة أو تلك ومدى استقرارها وثباتها، وأن حركة نشر الكتب تنمو وتزدهر بفضل ما تحققه تلك الشعوب أو الأمم من إنجازات حضارية مختلفة.

لقد كان الكتاب، وسيبقى، يعد من أعظم الإنجازات في تاريخ البشرية، حيث مكَّن الإنسان من تسجيل المعرفة والمعلومات والأفكار ونقلها للأجيال اللاحقة، وبهذا توارثت الأجيال التراث البشري الزاخر في العلوم والآداب المختلفة، وكان الكتاب، ولا يزال بنسخته الورقية أو بصيغته الرقمية يعد الوسيلة الأولى للثقافة والتعليم.

إلا أن مختلف التقارير والإحصاءات والدراسات الحديثة المعتبرة تؤكد أن الناشرين العرب مجتمعون لا ينشرون سوى نحو 7 آلاف عنوان كتاب سنويا فقط على طول الوطن العربي وعرضه، مقابل ربع مليون عنوان كتاب تصدره بريطانيا وحدها سنويا، وأن متوسط طباعة العنوان الواحد للكتاب العربي تبلغ 5 آلاف نسخة، مقابل معدل 85 ألف نسخة لطباعة العنوان الواحد في بريطانيا مثلا، وأن الإنتاج العربي من الكتب لا يتجاوز 1.1 % فقط  من إجمالي الإنتاج العالمي رغم أن السكان العرب يشكلون 5.5 % من إجمالي سكان العالم، كما تفيد إحصاءات اليونسكو أن نسبة إنتاج الوطن العربي من الكتب إلى الإنتاج العالمي ظلت خلال ربع قرن بمعدل 0.9 %، في حين بلغت نسبة إنتاج أوروبا من الإنتاج العالمي للكتاب 50 % خلال الفترة نفسها، كما تشير إحصاءات أخرى إلى أن نسبة الكتب الدينية تبلغ 40 % من مجمل عدد الكتب المنتجة في العالم العربي، وهي أعلى نسبة في العالم، وتستحوذ كتب الرواية على 20 % من هذا العدد.

من جانب آخر، فإن معدل إنتاج الكتب في السنة لكل مليون شخص بلغ 802 كتاب في أوروبا، و513 كتابا على مستوى الدول المتقدمة، و55 على مستوى الدول النامية. أما بالنسبة للدول العربية، فإن الرقم ينحدر إلى 29 كتابا لكل مليون عربي في السنة!

لماذا هذه الصورة القاتمة؟ لقد كنا سباقين في الماضي، إذ نبتت في مصر القديمة بذرة حركة النشر في منطقتنا وتكللت بصدور كتاب “الموتى”، وعلى أرض العراق القديم  كانت صناعة النشر في زمن السومرين والأكاديين والبابليين نشطة ومزدهرة، وقد اشتهر العراق القديم بكتب القانون التي كان أبرزها قانون حمورابي. وفي الجزيرة العربية كانت المعلقات، ولما سطع نور الإسلام كان أول كتاب مكتوب ومدون هو القرآن الكريم، ومع نهاية القرن الأول ومطلع القرن الثاني الهجري بُدِأ في تدوين  الأحاديث النبوية.

وفي منتصف القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، ومع ازدهار الدولة العباسية، أصبح لحركة الوراقين دورًا رئيسًا في نشر المخطوط العربي الإسلامي. وكان ابن النديم، محمد بن إسحاق النديم، قد حصر في كتابه “الفهرست” نحو 8500 كتاب نشرت في القرون الأربعة الأولى للهجرة، كما حصر حاجي خليفة في كتابه “كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون” نحو 20000 عنوان في مختلف فروع المعرفة حتى القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي).

وقد عَرَفَت الأندلس في ظل الوجود العربي حركة ثقافية واسعة تجلت فيما خلفه أهلها من آثار علمية وأدبية وفلسفية وغيرها.

إذًا، لماذا هذا التراجع وما الذي حصل؟ هل لأن معدل القراءة لدى المواطن العربي يبلغ الآن 6 دقائق سنويًا فقط كما تؤكد الإحصاءات.

هذه الأرقام والمعلومات الدقيقة المحرجة المحزنة تدعو إلى الحيرة والقلق، وتؤكد بأننا نعاني أزمة ثقافة، وهنا مربط الفرس، فأزمة الثقافة، كما هو معروف، هي مرتع ومنبع كل الأزمات والمشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية.

ولكن، لا يجب أن نستسلم لليأس، ثمة مبادرات رائدة تدعو إلى الأمل والتفاؤل تتبناها خصوصا دولة الامارات العربية المتحدة الشقيقة؛ منها “الإستراتيجية الوطنية للقراءة للأعوام 2016- 2026”، كما يأتي على رأسها مبادرات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، المعروف بعبارته الشهيرة “لا مستقبل بلا كتاب”، والذي بادر بإطلاق “مؤتمر دبي الدولي للنشر” في شهر مارس من العام الماضي، وهو لا يزال يرعى “مهرجان طيران الإمارات للآداب” الذي يواصل فعاليته السنوية طوال عشر السنوات الأخيرة، وقد أطلقت دولة الإمارات العربية المتحدة باقة من الجوائز التي تهدف إلى تشجيع المبدعين والمفكرين في مجالات المعرفة والفنون والثقافة العربية والإنسانية، والمساهمة في تشجيع النشر العربي وحث الناشرين على تقديم كل ما يساهم في الارتقاء بالعقل العربي ويرفد الثقافة العربية بما هو جديد ومتميز ومواكب لقضايا العصر، ودفع المبدعين والمفكرين إلى التنافس في خلق المشاريع الإبداعية والأطروحات الفكرية، وغيرها من الأهداف ذات العلاقة، مثل “جائزة الشيخ زايد للكتاب” و”الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر)” و”جائزة الشارقة للإبداع العربي” و ”جائزة الشارقة للثقافة العربية - اليونسكو” و”جائزة اتصالات لكتاب الطفل”، إلى جانب “خطة دبي 2021” الرامية إلى جعل إمارة دبي موطنا للإبداع والتمكين والسعادة. كما أصبح “معرض الشارقة الدولي للكتاب” أكبر وأهم معرض للكتاب في العالم العربي.

ويشاد أيضًا بمشروع “نقل المعارف” الذي أطلقته وزارة الثقافة بمملكة البحرين في العام 2014 الذي يهدف إلى ترجمة مجموعة من الكتب العالمية؛ بغية إثراء المكتبة العربية بكافة المعارف والعلوم الإنسانية وتعويض النقص الموجود في النقل المعرفي الدقيق.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية