العدد 3656
الخميس 18 أكتوبر 2018
الآن الآن وليس “بعدين”
الخميس 18 أكتوبر 2018

على أي مستوى من المستويات الثقافية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها من المستويات، تمرّ علينا الكثير من الأفكار التي تضيء في أدمغتنا، تشعلها، تجعل الواحد منا يعيش للحظات، وربما لدقائق، في أحلام يقظة وهو يرتب الفكرة، يصفّها صفّاً، يستكملها خطوة... خطوة أخرى... ثم ما يلبث أن يهز رأسه كما يهز القط رأسه إذ يتعرض للبلل، وكأنه يطرد هذا الحلم، ويعود إلى واقعه، أيّاً ما كان هذا الواقع.

نطرد أحلامنا، أو الأفكار التي ربما أرسلها الله إلينا، وأوحى بها إلينا، إما لأننا نخاف التغيير، أو لأننا عاجزون عن تنفيذها، أو أن قوانا خائرة فلا نقوى على التنفيذ، ربما ليس لدينا الوقت الكافي، أحيانا نظنّ أن ليس الآن وقتها، البعض يرى أنه سينفذها لاحقاً حينما يكون في مرحلة التقاعد، ومنّا من يشك أنها قابلة للتطبيق، وسنجد من يقول إنها أضغاث أحلام، أو لأن الفكرة تحتاج إلى المال، أو يمكن لأن بعضنا يريد للفكرة أن تكتمل اكتمالاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حتى يشرع في تنفيذها... لذلك تنتهي الكثير من هذه الالتماعات والإشراقات الجميلة إلى الذبول والانطفاء، وحين يتذكرها صاحبها بعد حين، يشعر إما بسخافة الفكرة أو السانحة التي مرّت بخاطره، وإما أن يشعر أن الوقت فات وما عاد للفكرة معنى الآن لو نفّذت.

هنا تكمن خطورة “بعدين” هذه التي نعلق عليها الكثير من أفكارنا وأحلامنا ومشاريعنا، حتى تصير أحلاماً معلقة ومجففة لا طعم لها، فقد عملتُ لخمس سنوات على تصوير المكتوب على الحيطان والسيارات، عبارات ليست سياسية في المقام الأول، على حلم أن أقيم معرضاً فوتوغرافياً، وساعدني بعض الأصدقاء في وضع تصوراته، ولكن البعدين امتدّت حتى وقع ما وقع قبل أكثر من سبع سنوات، فما عاد لهذا المعرض معنى بعد أن اصطبغت الجدران بعبارات أخرى، لأنني أقول لـ “البعدين”... “بعدين”، وغيري كثيرون ممن حملوا أفكاراً وأحلاماً وطموحات، وربما مخترعات وحلولا للمشاكل، ولكنهم ركنوا إلى “بعدين” التي إما أنها دفنت الفكرة، أو دفنت صاحبها.

 

كان الحريّ بكل من تمرّ في رأسه التماعة أن يطاردها بدل أن يطردها، فكثير من الأفكار التي بدت سخيفة للوهلة الأولى أثبتت كم هي ثمينة عندما تحققت، فلقد اكتشفنا أخيراً أن الأفكار ثروات أغلى من الجواهر في مناجمها.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية