العدد 3621
الخميس 13 سبتمبر 2018
يا أهل عُمان لله درّكُمُ
الخميس 13 سبتمبر 2018

إذ تطل برأسها على مدخل الخليج العربي، وتحتوي الزاوية الشرقية لجزيرة العرب، حينها نعلم لماذا سلطنة عمان دولة متفرّدة في الكثير من المزايا التي مازالت ترسم هذا التميز والتفرّد في المنطقة.

لشعب هذا البلد نصيب من تكوينه المتنوع ما بين السهل والجبل والساحل، البحر والنخل والجبال المهيبة ذات الصخور الملساء الجرداء التي تفضل مواجهة الشمس برأسها العاري لكي ينزل ما ينزل عليها من أمطار إلى الوديان لتتكرر اللوحة الرائعة على مدّ البصر، تلك اللوحة التي تجمع أخضر قمم نخيلها، بسمر الجبال الشامخات في ألوانها البنيّة المحمرّة.

في عمان لا تزال الأفلاج تضخّ المياه الطبيعية العذبة لتسقي المزارع، ولا تزال العيون تنبع لتذكرني بعيون البحرين التي كانت ذات يوم أساس دهشتها وشهرتها ورعشة من يراها لأول مرة، والتي صارت – مع الألم - آثاراً بعد “عيون”! مازال الأطفال في عمان ينزلون إلى العيون ببراءة جميلة محببة، ولا تزال الصخور الملساء تروي قصص ذكريات الماء التي سحنت أطرافها.

تحكي القلاع العمانية الشامخة، سواء كانت قلعة نزوى، أو الرستاق، أو نخل، أو بهلا، أو الجلالي، كما تحكي حصون صور وبركاء، قصصاً لحروب دارت رحاها على هذه الأرض وشواطئها من أجل السيطرة على هذه المساحات الهائلة من الخيرات، وهذه الممرات المائية الحيوية، تحكي قصص الهندسة غير المتماثلة، وغير المتطابقة بين أيٍّ من الحصون أو القلاع، فلكل منها مهندسون حنّكتهم الخبرة التي جعلتهم يميزون بين أغراض إقامة هذه القلاع، والتفنن في صمودها في وجه الحروب، ووقوفها شامخة في ظل الحصار، فلا يجوع من فيها ولا يظمأون.

ابتعد أكثر عن المدن والعواصم، لتجد الناس على أكثر ما يكونون من الطبيعية، فدائماً العواصم عيون العاصفة في أية دولة، بينما الأطراف أكثر هدوءاً وصفاء... هكذا الأمر في أكثر البلاد، بينما في عمان لا تدري أيهم أهل المدن وأهل الأرياف والقرى والبلدات، حيث تلقى الناس وكأنك تعرفهم منذ زمن بعيد، كأنه للتو قد انقطع الحديث وعاد ليتصل، وكأن المجالس ما غادرها روادها أبداً.

التراث في عمان ليس أهازيج ورقصات لا شأن لها باليوم، أو ملابس متصنّعة للتصوير والمناسبات فقط، إنما شيء يعاش يومياً، لذلك يبقى حياً، ولا حاجة كبيرة لنفخ الروح فيه في أوساط تعلم أنها لن تستطيع إلا أن تبقي جانباً بسيطاً من المظاهر، بينما التراث في عمان هو حياة كاملة، يعيشها الفرد، مع ما تغيّر منها، ومع ما ذهب منها إلى الحداثة، إلا أن الباقي ليس بالأمر اليسير ليجري الحفاظ عليه، فهذا الاحتفاء بالضيف، وتجاذبه، والأنس به، وغمره بشعور من المحبة، وأنه بحلوله عليهم إنما شرّفهم وخصّهم بمعروف.

عمان تكهّن يصعب أن يصل إليه من لم تعجنه ثقافة هذه البيئة، نكهةٌ من الظلم أن تذوي في مهاوي الذائقة، أساطير البحار الزرقاء وأمجاد الجبال الشمّ، أصالة تكاد تغزوك روائحها، قطعة من الأصالة التي تردّنا ردّاً عزيزاً إلينا... اعتزاز بالتاريخ مع تواضع جمّ، سنابك خيل لا تزال تقدح الشرر جرياً مستفيضاً نحو ذواتنا.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية