العدد 3604
الإثنين 27 أغسطس 2018
الرجل الأمّة
الإثنين 27 أغسطس 2018

لطالما استشهدت بتصريح أدلى به لمجلة نيوزويك الرئيس الأميركي الثاني والأربعون بيل كلينتون (حكم ما بين 1993 و2001)، حينما سُئل عن شعوره وهو يغادر البيت الأبيض، فقال (بما معناه) كان بودّه أن يستمر أكثر في الحكم، ولكن هذا ما يقوله النظام الرئاسي في الولايات المتحدة، أن ليس للرئيس سوى دورتين، فمن الواضح أنه يقول ذلك بشيء من الحسرة، فهناك من يستلذّ بالشعور بالقوة والكرسي والمكانة والسيطرة، وأين؟ على قمة القوى العالمية جمعاء، وليس ذلك وحسب، وشعور الفرد – أيّاً كانت وجهات النظر المتفاوتة حوله – بأنه يريد إنفاذ رؤيته وبرامجه وما يعتبره إصلاحاً، في الوقت الذي يعتبره مناوئوه تدميراً وتخريباً، وهكذا تتعدد الرؤى، وتسير الدنيا.

عندما كنت أستشهد بهذا التصريح، كنت أشير إلى النظام الديمقراطي الذي يُبطل الشعور بالعظمة، والخلود والديمومة، ويجرّد النمرود من جبروته، والفرعون من استعلائه، ذلك بالأخذ بأنّ تبادل الأدوار أمر صحّي وحَسَنٌ في تولي المسؤوليات، وحُسْنٌ في تجريب الأفكار والدماء، وهذا ما رسّخته النظم الديمقراطية على امتداد العالم.

لكن ما صرّح به الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، يوم الخميس الماضي بأنّ في حال عزله سينهار الاقتصاد الأميركي، المعروف بـ “قاطرة الاقتصاد العالمي”، والذي كان انهياره إثر مسألة “الرهن العقاري” في 2008، قد أدى إلى ما أسمي بـ “الأزمة المالية العالمية”، والتي لا نزال نعاني جميعاً من آثارها، ولا تزال دول تتخبط للخروج منها، بينما أفلست بسببها، وبسبب آثارها دول أخرى، وإرداف الرئيس نفسه  قائلاً: “من دوني سيصبح الجميع فقراء جداً”! يعتبر من الأمور الخارجة عن أية حسابات، وتدعو من جانب إلى الشفقة، ومن جانب آخر إلى الذعر من تصدّع هذه الأنظمة التي يمكن أن تنحاز إلى الرعب والتخويف (بحسب نظرية نعوم تشومسكي)، وتقبل ذات يوم بهذا الهراء.

فإذا كانت الشعوب التي ابتليت بالأنظمة التسلطية الديكتاتورية لم تقبل أن يقول قادتها: “أنا أو الفوضى”، وكان الجميع يستغرب، بل ويأنف، ويمتعض، أن يقف مسؤول في القرن الحادي والعشرين ليربط مصير دائرة صغيرة، في مؤسسة داخل بلد، بوجوده الشخصي، فكيف لرئيس دولة أن يتفوّه بهذا الكلام، وأيّة دولة!! إنها الولايات المتحدة، وهي من هي!

لقد ظننتُ وخاب ظني، بأن طول الممارسة الديمقراطية قد حوّل الناس، ومن بينهم الحكام طبعاً، إلى مؤمنين بالتعددية، والتنوّع، والمجالس المنتخبة، والمحاسبة، ولكن مع تعدد الإشارات في الوقت الراهن، وخصوصاً منذ الرئيس جورج بوش الابن، الذي قال ذات مرة: “من ليس معنا فهو ضدنا”، والذي أشار إلى أن الربّ أوحى له بالحرب التي شنها ضد العراق، ويقبل الناس منه، وإن على مضض هذا الكلام. ثم يأتي الآن الرئيس الحالي ليدلي بهذه التصريحات، ومع سكوت القوى الفاعلة في المجتمع الأميركي، أو ضعف صوتها وعدم قدرتها على الردع؛ فإنه من اللازم إعادة النظر في قدرة الممارسة على تهذيب “الفرعنة” البشرية، والاتكاء على صلابة سدنة القوانين لئلا تنهار بواقي القيم الديمقراطية وسط هذا الطوفان!.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية