العدد 3602
السبت 25 أغسطس 2018
د. محمد رضا قادر
البحث العلمي الهندسي... في خدمة المجتمع
السبت 25 أغسطس 2018

البحث العلمي هو المحاولة الدقيقة والناقدة للتوصّل إلى حلول للمشكلات التي تؤرق البشرية وتحيِّرها، أي هي محاولة لتفسير الظواهر، والبحث عن أسبابها بصورةٍ علميةٍ. وحتى تكون المحاولة دقيقةً، يجب اتباع إجراءات علمية لتفسير الظاهرة، وليس خطوات عشوائية غير مدروسة؛ وكي تكون ناقدةً، يفترض أن يدرك الباحث أن كلّ الإجراءات تحتمل الصواب والخطأ.

وتتمثل أهمية البحث العلمي في زيادة وعي الناس بأهمية العلم، وتكوين اتجاهاتٍ إيجابيةٍ إزاء البحث العلمي والباحثين، كما أنه عامل حاسم في تقدّم المجتمع وتطورّه، وتأمين التنمية البشرية المستدامة له، ناهيك أنه يعدّ دعامة تطوير الأداء المهني للأستاذ الجامعي، وتدريبه على كيفية تطوير أدائه، وذلك بتشجيعه على إجراء الأبحاث ونشرها في الدوريات العلميّة المحكّمة.

إن الهدف من البحث العلمي هو إيجاد حلول لمشكلات المجتمع الحالية، لكن هذه الحلول ليست نهائيةً؛ لأن المعرفة في تطوّرٍ دائمٍ، ولأن الحلّ في حد ذاته قد يكون صائبا أو خاطئا. فالهدف النهائي للبحث العلمي هو تطوير المعرفة العلميّة للوصول إلى الحقيقة أو الاقتراب منها.

ويجري في معظم الأحيان الخلط بين البحث العلمي والعلم، لذلك فإن التمييز بين هذيّن المفهوميّن أمر ضروري، فالعلم هو نشاط يهدف إلى زيادة قدرة الفرد للسيطرة على الطبيعة عن طريق دراسة الظواهر المختلفة، وفهمها، ومحاولة تفسيرها عبر إيجاد العلاقات التي تحكمها، وصولا إلى حقائقٍ واكتشافاتٍ جديدةٍ تُضاف إلى المعرفة، والتنبؤ بها، وتوفير الطرق المناسبة لضبطها والتحكّم بها. أما البحث العلمي، فهو التقنية القائمة على الطريقة العلمية المنظمة، والتي يتم توظيفها لدراسة الظواهر العلمية، وإيجاد الحلول المناسبة لها.

ولا يكتفي البحث بإيجاد الحل للظاهرة بل يتم تجريب الحل، وتقييمه، والبحث عن حلول أخرى في حال عدم صلاحيّته.

إن العلم يساعد على رؤية المشكلات وتحديدها، وإثارة الأسئلة البحثية، ووضع الفروض. ففكرة الخلايا الضوئية، على سبيل المثال، هي ظاهرة هندسية. وهذه الظاهرة هي عبارة عن تطبيق يستخدم فى توليد فرق جهد كهربي من ضوء الشمس عن طريق تحرير الإليكترونات من قوة ربط ذرات السليكون عند سقوط الضوء عليها. وقد تم اكتشاف هذه الظاهرة من خلال البحث العلمي الهندسي الدءوب في مجال أشباه الموصِّلات، وصياغة الفروض، واختبارها وتقييمها.

 

الطريقة المنظمة في البحث العلمي

تقوم الطريقة العشوائية (غير العلميّة) على تجريب الحلول الصائبة والخاطئة دون دراسةٍ عميقةٍ للمشكلة، وذلك أملاً في إمكان إيجاد أيِّ حّل مقبول لها. أما الطريقة المنظمة في البحث العلمي، فتتم بتخطيطٍ وتدبيرٍ مسبقٍ، وتتضمّن الخطوات الآتية: تحديد المشكلة بشكلٍ دقيقٍ وواضحٍ يساعد على تناولها بالدراسة والبحث والتقييم، ثم وضع الفروض الجزئية التي يمكن أن تساعد على حلّ المشكلة، وتقييم الفروض، وأخيراً تحديد الإجراءات اللازمة بهدف الوصول إلى حل ناجع (ملائم) للمشكلة. وترتكز الطريقة العلميّة في البحث على المسلّمات التالية:

1 - المسلّمة الحتميّة: إن للأحداث أسباباً، وأن الأحداث نتيجة حتميّة لظروفٍ أخرى، وأن هذه العلاقة السببيّة يمكن الكشف عنها وفهمها بصورةٍ علميةٍ، أيّ أنه يمكن تفسير الأحداث الحالية بناءً على المعطيّات والحقائق والأحداث السابقة (مثال: تفسير تسرّب الزيت من محرِّك السيارة).

2 - المسلّمة التجريبيّة: إن بعض أنواع المعلومات التي يمكن الوثوق بها لا تنشأ إلا من خلال الخبرة، أي أن التمسّك بنظريةٍ ما يتوقّف على مدى صحة وقوّة الأدلة التجريبية التي تساندها، والتي يمكن التأكّد منها عبر الملاحظة المنظمة (مثال: إثبات نظرية التصميم المتعدِّد للمحرِّك).

3 - مسلّمة الاقتصاد: إن الظواهر يجب أن تٌشرح بأكثر طريقةٍ اقتصاديةٍ ممكنةٍ، فمن الأجدى مثلاً تفسير ظاهرة التيار الكهربائي المستمر بدلالة ثلاثة مفاهيم (الإلكترون والسلك الموصِّل والجهد الكهربائي) بدلاً من أربعة مفاهيم، وبالتالي يمكن اختزال عدد العوامل المؤثِّرة في الظاهرة.

4 - مسلّمة العموميّة: يبدأ الباحث بملاحظة الأشياء الملموسة، وينطلق باتجاه تعميم نتائجه على نطاقٍ أوسع بهدف شرح الظواهر وتفسيرها (مثال: ملاحظة العلاقة الطرديّة بين الجهد والتيار الكهربائي قادت عالم الفيزياء الألماني جورج أوم إلى صياغة مفهوم المقاومة الكهربائية).

5 - مسلّمة الثبات: تتمتّع الظواهر الطبيعية بقدرٍ من الثبات النسبي يجعلها تحتفظ بخصائصها ومميِّزاتها لفترة زمنيّة محدّدة، وضمن ظروفٍ معيّنةٍ (ظاهرة المّد والجزر)، غير أن ثبات بعض الظواهر العلمية موضع جدل، بسبب كثرة العوامل المؤثِّرة فيها (مثال: سرعة الضوء في الأثير).

6 - مسلّمة الأنواع الطبيعية: توجد خصائص أساسيّة مشتركة بين الظواهر والأشياء والأحداث بحيث يمكن تصنيفها إلى فئاتٍ مترابطةٍ (مثال: تصنيف المواد لجهة القدرة على حمل الكهرباء).

وهناك مسلّمات أخرى خاصة بالطبيعة البشرية، وهذه المسلّمات تتعلق بمدى سلامة

إدراكنا وتفسيرنا للظواهر والأحداث التي نلاحظها باستمرارٍ في حياتنا اليومية، وهي:

1 - مسلّمة صحة الإدراك: إن حواس الإنسان هي أدوات ملائمة صالحة للوصول إلى المعرفة الموثوقة، مع أنها محدودة القدرة وقصيرة المدى، فقد يلاحظ سائق السيارة مثلا أنها تتمايل يمنةً ويسرةً على الشارع العام، فيدرك أن هناك خللاً فنِّياً في دقة اتزان السيارة يتعيّن عليه إصلاحه.

2 - مسلّمة صحّة التذكّر: تدّل الخبرات اليومية على وهن العمليّات العقلية لدى الإنسان، فهو يستطيع فقط استعادة الأشياء أو الأحداث التي تهمّه أو تلك التي أثّرت في حياته، فالتذكّر مثل الإدراك عرضة للخطأ (مثال: محاولة تذكّر المعلِّم مفهوماً علميا غير شائع أو اسم آلة قديمة).

3 - مسلّمة صحة التفكير والاستدلال: إن عملية التفكير قد لا تتمخّض عن استنتاجاتٍ صحيحةٍ بسبب استخدام مقدّمات خاطئة، أو بسبب انتهاك قواعد المنطق، أو وجود الفشل في فهم السبب الحقيقي للظاهرة (مثال: محاولة معرفة سبب انقطاع الكهرباء من خلال فحص سُمك الأسلاك).

 

البحث العلمي في مجال الهندسة

الهندسة مصطلح غير عربي، فالهندسة هي الحدّ والقياس، وقد جاء في (المُنجد في اللغة والإعلام) أن أصل هذه الكلمة فارسي (إندازه).

والهندسة علم يبحث في أحوال المقادير، والمهندس هو مقدِّر مجاري القنوات حيث تُحفر الأبنية. ويمكن تعريف الهندسة بأنها فن احتراف واكتساب المهارات الفنية والعلمية والحسابية وتطبيقها لتصميم وتنفيذ المنشآت والآلات والإختراعات والأدوات والأنظمة والعمليات المطلوبة كافةً للوصول إلى هدفٍ معينٍ.

بمعنى آخر هي فن تطبيق المعارف النظرية والتجارب الحياتية في حياتنا لتحسين الأدوات التي نستعملها.

ومن هذا المنطلق، فإن البحث العلمي الهندسي هو فن استخدام الطرق العلمية لحل المشكلات التي تواجه المهندس في عمله.

إن العلماء يدرسون الأشخاص والأشياء الموجودة في الطبيعة، بينما يبتكر المهندسون الأجهزة والأدوات أو البرامج الحاسوبية غير الموجودة أصلاً، وهذا هو الفرق الجوهري بين البحث العلمي والبحث الهندسي.

وعادة ما يبتكر المهندس جهازا يقوم على أسسٍ علميةٍ، فابتكار الكاميرا مثلاً يقوم على مبدأٍ علميٍ، وهو أن الضوء يسير في خطوط مستقيمة، ولا يتبعثر عند مروره بثقب صغير، فالمهندس لا يستغني عن علـم العلمـــاء.

وإذا كانت مراحل إجراء البحوث العلمية تتشابه مع البحوث الهندسية، فقد يقوم العلماء ببعض الإجراءات الهندسية، كما يقوم المهندسون ببعض الخطوات العلمية، فما تزال توجد خطوات عملية مختلفة عند القيام بالتجارب الخاصّة بكلا النوعيّن.

ففي البحث العلمي مثلاً، يقوم الباحث أولاً بتحديد المشكلة، ومن ثم يعمد إلى دراسة الأبحاث السابقة والتعليق عليها، وصياغة الفرضيّات، وتصميم التجربة والإجراءات الميدانية، واختبار الفرضيّات، وصولاً إلى تحليل النتائج وعرضها على المختصِّين. أما في البحث الهندسي، فيتبع الباحث الخطوات المبيّنة أدناه.

 

خطوات البحث العلمي الهندسي

1 - تحديد الحاجة: ماذا يريد مُستخدِمو المُنتج الذي طلبوا من المهندس صنعه أو ابتكاره؟ فإذا كان المنتج المطلوب جهاز كمبيوتر (حاسوب)، على سبيل المثال، فهل يريد المُستخدِمون (بكسر الدال) نسخةً جديدةً من المُنتج (الكمبيوتر) الحالي أكثر سُرعةً وأخف وزناً وأقل تكلفةً؟!

2 - مراجعة التجارب والأحداث السابقة: يقوم المهندس بدراسة أجهزة الكمبيوتر السابقة، ويجمع المعلومات التي تفيده في ابتكار الحاسوب الجديد، بحيث يتفادى إعادة اختراع العجلة، كما يُقال.

3 - تحديد معايير التصميم: المعايير هي متطلبات التصميم، وسوف تُستخدم لاتخاذ القرار بشأن طريقة صُنع المُنتج. ففي المثال السابق، يمكنك تصميم حاسوب بنفس الكفاءة والسرعة، شريطة أن يكون بنصف الوزن، وهذا يتطلب البحث عن مادة لتصنيع هذا المنتج قد تكون باهظة الثمن.

4 - إعداد التصميم الأولِّي: المهندسون الذين يتميّزون بالكفاءة والخبرة يدرسون تشكيلةً من التصاميم المختلفة الممكنة قبل المُضي قدماً في تصنيع منتج جديد. كما أن الخطط المدروسة قد تكشف عن المشاكل التي تسبّبت في ارتفاع تكلفة التصنيع، والتي تستغرق معالجتها وقتا طويلا.

5 - تجهيز النموذج الأوّلي: وهو النموذج الوظيفي الأوّلي الشامل الذي يعتقد المهندس أنه يستوفي معايير التصميم بأكمل وجه. وأحيانا يصبح هذا الأمر مستحيلا، ولا بد من حلول وسط.

6 - إعادة التصميم وإعادة اختبار المنتج: أي إعادة تكرار الخطوات السابقة للتخلّص من ثغرات تصنيع النموذج الأوّلي، وإعادة تجهيز المًنتج بالمواصفات المرغوبة بعد تصحيح الأخطاء.

7 - عرض المُنتج: يقوم المهندس بعرض المُنتج (الابتكار) الذي توصّل له على المختصِّين والجهات المستفيدة لتحفيزهم على شرائه، وتصنيعه، ومن ثم بيعه في الأسواق المحلية والدولية.

وبهذا يكون البحث العلمي الهندسي قد وُضع في خدمة المجتمع المحلي بما يحقِّق أهداف التنمية الوطنية المستدامة، ويلبِّي حاجات الأفراد والمؤسّسات، ويواكب التقدّم العلمي.

 

د. محمد رضا قادر

عميد البحث العلمي والدراسات العليا بجامعة البحرين

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية