العدد 3601
الجمعة 24 أغسطس 2018
أبعد من حكاية “التطبيع مع النظام” (1)
الجمعة 24 أغسطس 2018

يحتاج لبنان إلى “نأي أكثر” وليس إلى “نأي أقل”، إذا ما أُريد استصلاح مناخ التسوية فيه، بالشكل الذي سلكه منذ عامين... طروح “التطبيع مع النظام السوري” لا تخدم مثل هذا الأمر، بل تخدم نقيضه المباشر. البلد منقسم حيال المسألة السورية، كما كان منقسماً قبل ذلك حيال الوصاية السورية، ثم حيال الموقف من العلاقات اللبنانية ـ السورية في مرحلة ما بعد الوصاية، ولا يمكن المكابرة على هذا الانقسام أو مجموع الانقسامات بالأحرى... لا يمكن تسويتها بين ليلة وضحاها، استطاع البلد التعايش في مؤسساته، مع الانقسام الداخلي فيه حول المسألة السورية، شرط هذا كان تقبّل أن هناك تناقضاً مستحكماً وشاملاً بين وُجهتَي نظر، واحدة مبرّرة، بل مسوّغة، بل منخرطة في مناصرة النظام السوري، حدّ القتال إلى جانبه لأعوام متواصلة، ولا تزال، وهو انخراط بالتالي في الاحتراب السوري - السوري. وثانية، انتقلت من مواجهة المنحى الوصائي ثم الهيمني للنظام على لبنان إلى التضامن مع انتفاضة أنسجة أهلية سوريّة في حركة ثورة شاملة على النظام عام 2011، ولو أن معظم اللبنانيين الذين سلكوا نهج التضامن مع خط الثورة السورية، ثم نهج رفض التدخّل من جانب قسم من اللبنانيين حرباً في سوريا، طوّروا بعد سنوات نظرة أكثر وعياً للطبيعة المريرة للحرب السورية، والتشوّهات التي أصابت حركة التحرر السورية وأعانت النظام عليها.

الانقسام بين اللبنانيين حول المسألة السورية هو إذاً انقسام ليس فقط بين “نظام” وبين “ثورة”، إنه انقسام بين مواظب على التدخل في الحرب السورية، وبين من راكَم على موقفه المناهض للوصاية السورية على لبنان أساساً... موقفاً مؤيّداً لربيع السوريين، ثم موقفاً أكثر تفاعلاً مع كارثية الحرب السورية بحدّ ذاتها، بشكل توّاق فعلاً، ومن خلال تحسّس الذاكرة اللبنانية، إلى البحث عن شروط لسلام سوري، ظهر في الفترة الأخيرة أن من مقدّماته اللازمة الربط بين عودة اللاجئين، وإعادة الإعمار، وإعادة تأهيل التفاوض، على مستوياته كافة، حول المآل السياسي لسوريا.

في مقابل النظرة الداعية للتطبيع مع النظام السوري، من قِبل أطراف ليست مطبّعة فقط معه، بل حليفة له وثيقة، ومقاتِلة إلى جانبه، هناك نظرة، متوفرة عناصرها، لكن تتطلّب بلورة منسّقة أكثر، سياسياً وإعلامياً، ترى أن لبنان الرسمي، النائي بنفسه عن الحرب السورية، ينبغي أن تكون له إيجابية الإسهام في السلام السوري، وهذا السلام السوري ينطلق من ثلاثية “عودة اللاجئين، إعادة الإعمار، والحل السياسي”، وهي ثلاثية تحديات يصعب كثيراً أن يتطبّع النظام السوري أساساً معها، هذا النظام لم يجد مشكلة في التطبّع مع حرب هو المبادر الرئيسي إليها، لكن صعوبة تطبّعه مع فكرة الانتقال إلى السلام ترتقي إلى رتبة استحالة، بل أكثر. “المستقبل”.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية