العدد 3592
الأربعاء 15 أغسطس 2018
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
قليل من الحب... قبل الحوار!
الثلاثاء 14 أغسطس 2018

كثيرا ما نسمع عبارة “حوار الطرشان”، وكتب عنها كثيرون ولا عجب؛ فهي ترمز إلى حالة متكررة، بمرور الزمان والمكان! فلا التاريخ الذي يعيد نفسه يُعلِّم، ولا المكان يحمل العِبَر التي يتعظ منها البشر! تجد هذه الحالة في البيت والشارع والمؤسسة والدولة والعالم بأسره!

ما هو حوار الطرشان؟ إنه الحوار الذي يجمع فريقين أو شخصين، لديهما موضوع أو قضية، يرغبان أو يريدان النقاش حولها؛ فينقلب النقاش إلى مشادة كلامية وتراشق بالألسن، وقد ينتهي باختلافات حادة تؤدي إلى تشويه القضية أو ربما القضاء عليها وطمسها نهائيا، وما يستتبعه ذلك من غياب المصلحة وضياع الحقوق، والأفهام، والأسوأ قد يُقّوي الفساد ويرفع رصيده!

فما حقيقة هذا الحوار “الطرشاني” الإفسادي؟! إنه الحوار الذي يُقدم طرفًا (اعتباريًا) من الناس ممن لديهم الأفكار والآيديولوجيات والمعتقدات والأهواء والمواقف والخبرات المسبقة والمتراكمة، تُشكِّل هويتهم وبطاقتهم التعريفية الخاصة بهم، في مقابل طرف (اعتباري) له هويته هو الآخر وتميزه عن الأول، ويُطلَب من هذين الطرفين التدخل في قضية ما والخروج بحل لها؟ فماذا تتخيلون النتيجة!

طبعًا تخيلتم أن شجارا احتدم بينهما! وزادت حدة الخلاف، نتيجة الاختلاف “الطبيعي” الذي ذكرناه، لا لأنهم ضيّقوا الأفق، أو العقول؛ بل لأنهم – فقط - جماعة من الطرشان! والأطرش كما تعلمون لا يتمتع بأذن أمينة أو صادقة، يسمع بعضا ويلغي آخر، بل؛ يحركه اللاوعي الذي نشأ عليه، وهو كل ما تزاحم داخله من أفكار وعواطف، فحين يجلس على طاولة الحوار؛ يفترش كل بضاعته التي حملها على ظهر عقله، ويطلب من الآخر/ الطرف المحاور التصويت على صحتها التي لا يرقى إلى تخطئتها لا إنسي ولا جنيّ، ومن البديهي أن يرفضها الآخر؛ فهو أيضا حمّال بضاعة من ماركة مختلفة!

فما الحل في ظنكم؟ قد تقولون نستعين بغير الطرشان، ويا سلام، هذا حل جميل ولمّاع وسريع! لكن هل يوجد من بيننا من هو غير أطرش! وهذه – أعزكم الله – ليست إهانة، بل محاولة لتوضيح الفكرة، هل منا من كان خاليا من معتقد، دين، أفكار، توجهات! هل فينا القادر على أن يُقابل الطرف الآخر بحيادية وموضوعية ووجاهة من دون تحيز أو تحزب، لنكن صرحاء!

ليست هذه محاولة تعجيزية، أو حكما قاطعًا بأننا سنكون متحيزين بلا ريب؛ إذ لطالما آمنتُ أن ما يُقربنا كبشر، وما يجمعنا قبل كل هذا أو ذاك هو طاقة الحب الإنسانية التي فطرنا الله عليها جميعا، وليس من الاستهلاك أن نُطالِب بعضنا ببعضٍ من الحب! فإن لم يتقدمك الحبُ ستفشل، إنه مُقدمة كل حوار، ونتيجة كل نجاح، وهو أكبر من الطوائف والملل! إنه المعادل الحقيقي للنية الحسنة، التي إِنْ وُجدت، لن يكون للطرشان مكان في أي حوار.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية